رأي
ماذا لو لم يسرق “الإدعشري” مجوهرات أمّ إبراهيم؟

لبنان عربي – وحيد حمود
وُلِد مسلسل باب الحارة بجزئه الأوّل عام ٢٠٠٦، أيّ منذ ١٩ عامًا، ولمن لا يعرفه، هو مسلسل سوريّ شعبيّ تدور أحداثه عن حارات الشّام ومقاومة المستعمر الفرنسيّ إبّان الانتداب.
كان لدى الحارة باب واحد، يتولّى حراسته حارس واحد يُدعى “أبو سمعو”، كما كان لديها بائع نسيج واحد يُدعى أبو إبراهيم.
مرّت الأحداث بسرعة، كان أبو ابراهيم تاجرًا ذكيًّا، يشهد له الجميع في الحارة بأنّه حاضرٌ في الأحزان والأفراح.
ذات يوم قرّر رجلٌ مهمّش المكانة ومهشّم الرّوح يدعى “الإدعشري” بقلب الطاولة في وجه الجميع، لم يكن هذا الرجل سيّئًا، لكنّ أحدًا لم يأبه بحاله، كان فقيرًا معدَمًا، فلم ينتبه إلى ثيابه الممزّقة بائع النّسيج أبو إبراهيم كما أنّه لم يكن يُدعى إلى الجلسات ككلّ أعضاء الحارة وعلى رأسهم زعيمها، حتّى أنّ حارس الحارة الوحيد أبو سمعو لم يهتم لحال هذا الرّجل، ممّا فاقم نقمة الإدعشري على الجميع، وهي نقمةٌ لو نظرنا إليها بعين الموضوعيّة لوجدنا أنّها نقمةٌ مشروعة على جميع من همّشوا صوته ووجوده.
ثار الإدعشريّ، ثورة الجائع والغاضب على الواقع، والجائع المظلوم ليس كالشبعان، إذ إنّ الجوع مخيف، يعمي البصر ويلغي البصيرة، وقرّر أن يقلب الطّاولة بوجه الجميع، فكانت بداية ثورته بركانٌ انفجر على النّسّاج والحارس، كان يدري أنّ أبو إبراهيم يملك الذّهب ويكتنزه، ويُدرك أنّ الحصول على هذا العِنب المتمثّل بالذهب لن يكون إلا عبر التخلّص من الحارس، وكانت خطتة الانقلابيّة صفعةً أنهت الأمان في الحارة وشتّتت العقول وجعلتهم يتفكّرون بأمر هذا الذي استطاع أن يكسر أمن الحارس ومال النّسّاج.
عَودٌ على بَدء، لو لم يسرق الإدعشري مجوهرات أمّ إبراهيم لبقيَ منسيًّا لن ينتبه إليه أحد، لكنّه بفعلته -غير الحميدة- هذه، استطاع أن يضع إصبعه في أعين الذين لا ينظرون إليه وأن يجعلهم يعيدون حساباتهم، فالإدعشري كما عرفنا، لم يتصرّف بمجوهرات أبو إبراهيم، بل ظلّت مخفيّةً حتى اعترف بها، لقد ظلّت شهامته تتفوّق على فعلته وإن كانت قد خرجت عن العرف والتّقليد. وبهذا يمكن القول إنّ الإدعشري لم يكن هدفه هو سرقة النّسّاج أو قتل الحارس، لكنّه كان يريد أن ينتبه هذان وغيرهما إلى وجود أناسٍ هُمّشوا عن قصدٍ وعن غير قصد، فعانوا ما عانوه من ظلم وجوع، وبقيَت بيوتهم مظلِمة، وأحلامهم مشرّعة في الهواء، هؤلاء الذين أحبّوا الحارة بكلّ ما فيها وحاولوا أن يسود عدلٌ ما فلم يحصل، فثاروا على سلطة التهميش الممنهَج.
الإدعشري مات تائبًا، وعادت بموته الحقوق لأهلها، ولكنّ ألف إدعشريٍّ لم يزل يفتّش عن حارةٍ تحتضنه، تؤمّن له الحياة التي يستطيع أن يحيا فيها بأمان، ويعتاش فيها بأمان، ويمشي في شوارعها المضاءة بأمان، فهل من سامعٍ للصوت؟ أم أنّ إدعشريّين آخرين سيقومون بثورةٍ أُخرى لتعيد تصحيح المسارات؟



