
لبنان عربي – عربي دولي
تصاعدت ألسنة اللهب في حي “نارمك” شرق طهران، وأفادت شائعات باغتيال الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، الذي يسكن الحي المستهدف، الا أن الرسائل السرية بين أنقاض مبنى نصف محترق، كشفت عن حقيقة مختلفة، لها علاقة بالبنية التقنية لطهران.
واجهت نظرية استهداف نارمك واغتيال أحمدي نجاد من البداية شكوكًا جدية. فالسؤال الرئيس كان: لماذا أحمدي نجاد؟ لماذا يستهدف العدو شخصية جانبية لا تشغل منصبًا تنفيذيًا؟ هل كان الهدف الفعلي من الهجوم إقصاءه جسديًا أم كانت هناك أهداف استراتيجية أكبر؟
سرعان ما تلاشت موجة الشائعات بعد ساعات قليلة، ومع تراجع الغبار واللهب، اتضح أن الحقيقة بعيدة كل البعد عن ما روج له المقربون من رئيس الحكومة السابقة.
وثائق بين الأنقاض
ما أبطَل سيناريو «الاغتيال» لم يكن النفي الرسمي ولا رسالة التعزية التي أصدرها أحمدي نجاد بعد استشهاد المرشد الأعلى الإيراني، بل ما عُثر عليه من وثائق بين أنقاض المبنى.
دقائق بعد الحادثة، تجمع السكان والمارة في موقع سقوط الصاروخ، وسجَّلت مقاطع الفيديو التي انتشرت على الشبكات الاجتماعية مشهدًا صادمًا: شارع مغطى بآلاف الأوراق الإدارية والوثائق الرسمية التي طُرِحت بفعل الانفجار من داخل المبنى.
تفحص الفيديوهات والوثائق أظهر أن الهدف لم يكن منزلًا سكنيًا، بل مبنى مؤسسي مدرج ضمن قوائم العقوبات الدولية، والمعروف باسم «مجموعة الشهيد بابائي».
ما هي «مجموعة الشهيد بابائي»؟
مجموعة الشهيد بابائي، المدرجة ضمن عقوبات مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي كذراع رئيسي في الحروب الحديثة، تعمل تحت إشراف جهات دفاعية وبحثية تدعى (سبند). وعلى عكس الاسم الذي يوحي ببسالة الطيارين، فإن اختصاص هذه المجموعة يتركز في عالم الأصفار والواحدات والفضاء الرقمي.
وفقًا للولايات المتحدة، تتجاوز هذه المجموعة كونها جهة إدارية بسيطة، وفرضت عليها عقوبات صارمة منذ مارس 2019 بتهمة الأنشطة السيبرانية الضارة والمشاركة في برامج حساسة. ومن بين الوثائق التي صوّرها المارة في نارمك، وثيقة تعود إلى ميلاد منصوري، مدير هذه المجموعة، ويُعتقد أن المبنى كان أحد مراكز الشبكة السيبرانية والتقنية، وكان تحت المراقبة الاستخباراتية الأمريكية لفترة طويلة.
ميلاد منصوري؛ قائد في ظل العقوبات
في قلب هذه المنظمة يبرز اسم ميلاد منصوري كلاعب رئيسي. منصوري، المعروف في الأوساط المتخصصة كقائد المجموعة السيبرانية، مدرج ضمن قائمة «الأشخاص المحددين بشكل خاص» SDN، وصنفته سجلات تتبع العقوبات في مستوى «تحذير عالٍ». هو ليس سياسيًا صاخبًا، بل متخصص متمرس في المجالات السيبرانية والدفاعية. استهداف المبنى الذي يديره مباشرة يظهر بوضوح أن الهجوم كان يهدف إلى شل البنية التحتية التقنية لإيران، وليس لرئيس سابق مثير للجدل.
لماذا فرضية اغتيال أحمدي نجاد غير صحيحة؟
بالنظر الواقعي للجوانب التقنية والسياسية، يمكن بسهولة رفض استهداف أحمدي نجاد. السبب الرئيسي هو عدم وجود فائدة استراتيجية لاغتياله، فإقصاء شخصية لا تشغل منصبًا تنفيذيًا لا يمنح الخصم أي مكسب سياسي أو عسكري. في المقابل، تعطيل مركز عمليات سيبرانية مدرج مباشرة في قوائم العقوبات الأمريكية يمثل هدفًا منطقيًا وعمليًا.
يبدو إذًا أن الضجة التي أثيرت من قبل المحيطين بأحمدي نجاد كانت أكثر من محاولة لإعادة «التسويق الإعلامي» واستعادة الاهتمام من خلال مظلومية مزيفة، في حين كانت الحقيقة على الأرجح بين تلك الأوراق المتناثرة على أسفلت نارمك المدمر.



