
لبنان عربي – عربي دولي
تساءل عدد كبير من المتابعين والباحثين، عن الأسباب الحقيقية الكامنة حول عدم تحرك روسيا والصين لمساندة إيران في حربها مع الولايات المتحدة الاميركية واسرائيل؟
وطرحت صحيفة “وول ستريت جورنال” إشكالية اكتفاء الصين بإدانة الهجوم العسكري الأمريكي الإسرائيلي على إيران دون أن تبادر عمليا بدعمها رغم أن تلك الحرب تحمل مخاطر عديدة على بكين إذ يُحتمل أن تُؤدي لقطع جزء كبير من وارداتها النفطية التي تمر عبر مضيق هرمز.
وعلقت الصحيفة على ذلك الموقف بالقول إنه ليس لدى الصين الكثير لتقدمه لإيران سوى التصريحات، ونقلت عن محللين قولهم إن بكين ستسعى على الأرجح لتجنب التورط في صراع طويل الأمد بالشرق الأوسط، وهي مستعدة للعمل مع أي جهة تحكم إيران بعد توقف القتال.
وأشارت الصحيفة إلى أن بكين اعتمدت نفس النهج مع شريكتها الوثيقة فنزويلا عندما ألقت القوات الأمريكية القبض على الرئيس نيكولاس مادورو مطلع العام الجاري. وقد ينبئ هذا أيضا بموقف الصين إذا اتخذت واشنطن إجراء ضد كوبا، التي تربطها علاقة “صداقة متينة” مع بكين.
وتوقعت الصحيفة أن يتسبب تقويض الولايات المتحدة لعلاقات الصين مع شركائها، في نسف جهود بكين لبناء تحالفات من دول ذات توجهات متشابهة والترويج لمبادرات دولية طموحة من شأنها أن تتحدى النظام العالمي الذي يقوده الغرب.
جوانب إيجابية
ورغم ذلك، ترى الصحيفة أن الحرب على إيران قد تنطوي على بعض الجوانب الإيجابية لصناع القرار الصينيين لأنها ترهق القدرات العسكرية الأمريكية لا سيما الأسلحة التي قد تُستخدم في أي نزاع مع الصين بشأن تايوان.
كما أنه من شأن هذه الحرب أن تكشف للجانب الصيني عن أحدث المعدات والتكتيكات العسكرية الأمريكية، إضافة إلى أنها أتاحت للصين فرصة لتصوير الولايات المتحدة على أنها تتسبب في “تراجع العالم إلى قانون الغاب”.
مصالح بالخليج
من جهة أخرى بررت وول ستريت تريّث بكين بالقول إن استثمارات الصين في السعودية والإمارات تتجاوز بكثير استثماراتها في إيران، وبالتالي فإذا بادرت الصين بمساعدة إيران على مهاجمة جيرانها، فقد يضر ذلك بعلاقات بكين مع هذه الدول الحيوية.
وذكّرت الصحيفة بعمق العلاقات بين طهران وبكين حيث أبرم الطرفان اتفاقية تعاون اقتصادي عام 2021، تنص على استثمار الصين 400 مليار دولار في إيران على مدى 25 عامًا، لكن تفعيل تلك الاتفاقية كان بطيئًا بسبب العقوبات الأمريكية على إيران.
وقد استخدم البلدان نظاما معقدا لإخفاء صادرات النفط من إيران إلى الصين، وذلك عبر نقل النفط من سفينة إلى أخرى لإخفاء وجود النفط الإيراني في الصين. وتشتري الصين ما يقارب 90% من صادرات النفط الإيرانية، مع أن هذه النسبة لا تمثل سوى 12% من إجمالي واردات الصين من النفط.
واتخذت الصين عدة خطوات لحماية نفسها من أي اضطراب مفاجئ في واردات الطاقة، وقامت ببناء احتياطي نفطي وطني إستراتيجي، مع تشجيع استخدام السيارات الكهربائية وغيرها من التقنيات للحد من اعتمادها على استهلاك النفط.
ماذا عن روسيا؟
من جهة ثانية، قال سيرغي غورياشكو من خدمة بي بي سي نيوز الروسية إن رد موسكو على الضربات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة ضد إيران كان مرتفع النبرة لكنه محدود، بما يعكس الغضب والتضامن مع طهران، مع الحرص في الوقت نفسه على تجنّب خطوات قد تجرّ روسيا مباشرة إلى المواجهة.
وعبّر المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، عن “خيبة أمل عميقة” لأن الوضع، رغم المحادثات بين واشنطن وطهران، “تدهور إلى عدوان صريح”.
وأدانت وزارة الخارجية الروسية ما وصفته بـ”عدوان غير مبرر” على إيران من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، كما نددت بما اعتبرته اغتيالات سياسية و”مطاردة” لقادة دول ذات سيادة.
يوم الأحد، أرسل الرئيس فلاديمير بوتين تعازيه إلى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، واصفاً ذلك بأنه “انتهاك ساخر للأخلاق الإنسانية وللقانون الدولي”.
ومع ذلك، تجنّب الكرملين توجيه انتقادات شخصية إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ولا يزال يعبّر عن امتنانه للجهود الأمريكية للوساطة في ملف أوكرانيا.
وعندما سئل بيسكوف الاثنين عن ثقة موسكو بواشنطن بعد ذلك، أجاب بأن روسيا “تثق أولاً وقبل كل شيء بنفسها فقط”، وتدافع عن مصالحها الخاصة.
دعم خطابي فقط
تساعد هذه المصالح في تفسير سبب استمرار الدعم الروسي لإيران على المستوى الخطابي في أغلبه، رغم أن طهران أصبحت واحدة من أقرب حلفاء موسكو منذ الغزو الشامل لأوكرانيا، إذ زودتها بطائرات مسيّرة وساعدتها على تطوير وسائل للالتفاف على العقوبات الغربية، بحسب مراسلنا.
كما تنسجم إيران مع رؤية الكرملين لنظام عالمي متعدد الأقطاب، تُقدَّم فيه حقوق الدول على حقوق الإنسان، وتمارس فيه الحكومات سيطرة واسعة داخلياً. وسقوط مثل هذا النظام سيكون ضربة لذلك النموذج.
وفي الوقت نفسه، أظهر الكرملين سابقاً أنه لن يخاطر كثيراً من أجل شركائه، سواء في فنزويلا أو في سوريا أو خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً بين إسرائيل وإيران في صيف 2025.
وتنخرط روسيا بشكل كبير في أوكرانيا، ويبدو أنها غير راغبة – وربما غير قادرة – على تقديم أكثر من دعم دبلوماسي وتعاون عسكري – تقني.
كذلك، فإن معاهدة الشراكة الاستراتيجية الروسية – الإيرانية الموقعة في 17 يناير/كانون الثاني 2025 لا ترقى إلى مستوى اتفاق دفاع مشترك.
وقد تعهدت موسكو وطهران بتبادل المعلومات، وإجراء تدريبات مشتركة، و”ضمان الأمن الإقليمي”، لكنهما لم تتعهدا بالدفاع عن بعضهما البعض في حال التعرض لهجوم. كما أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين متواضعة، ولا يزال حجم التبادل التجاري في حدود 4 إلى 5 مليارات دولار.
غير أن الروابط العسكرية والصناعية آخذة في النمو. ففي فبراير/شباط، أفادت صحيفة فايننشال تايمز بصفقة كبرى بموجبها ستزوّد روسيا إيران بأنظمة الدفاع الجوي المحمولة على الكتف من طراز “فيربا” بقيمة 500 مليون يورو.
وقد تسلمت إيران طائرات تدريب من طراز “ياك-130” ومروحيات هجومية من طراز “مي-28″، وتنتظر مقاتلات “سو-35″، رغم أن روسيا لم تزوّدها بعد بأنظمة “فيربا”.
وقد غيّر استخدام الطائرات المسيّرة الإيرانية الصنع من طراز “شاهد” بشكل كبير تكتيكات القوات الروسية على الجبهة الأوكرانية. لكن موسكو وسّعت العام الماضي بسرعة إنتاجها الخاص من الطائرات المسيّرة، ما خفّض اعتمادها على الأسلحة الإيرانية.
وبالنسبة لموسكو، فإن إيران مهمة للغاية بحيث لا يمكن السماح بسقوطها، لكنها ليست مهمة إلى الحد الذي يدفع إلى القتال من أجلها. وقد يتغير هذا الحساب، لكن في الوقت الراهن من المرجح أن يظل تدخل روسيا مقتصراً إلى حد كبير على الكلمات.



