
لبنان عربي – عربي دولي
يمثل غياب المرشد الأعلى علي خامنئي، أخطر لحظة مفصلية تواجهها الجمهورية الإسلامية منذ عام 1979. فالرجل لم يكن مجرد رأس هرم سياسي، بل كان نقطة التوازن بين مؤسسات متداخلة: المؤسسة الدينية، والأمنية، والعسكرية، والاقتصادية. والسؤال الذي يفرض نفسه ليس هل ينهار النظام فورًا، بل كيف سيتصرف في الساعات والأيام الأولى.
هل تهتز الدولة أم تتماسك؟
النظام الإيراني مصمم دستوريًا لتحمل غياب المرشد. ينص الدستور على انتقال مؤقت للصلاحيات إلى مجلس قيادي لحين اختيار مرشد جديد عبر مجلس خبراء القيادة. هذا الإطار القانوني يمنح النظام فرصة لامتصاص الصدمة ومنع الفراغ الدستوري.
لكن المشكلة ليست قانونية فقط، بل سياسية وأمنية. اغتيال شخصية بحجم خامنئي يضرب صورة “الحصانة” التي أحاط بها النظام قياداته العليا. وقد يفتح المجال أمام احتجاجات داخلية أو صراعات مكتومة بين مراكز القوة، خاصة إذا تزامن الحدث مع أزمة اقتصادية أو توتر إقليمي.
دور الحرس الثوري
اللاعب الأكثر حساسية في هذه المرحلة سيكون الحرس الثوري الإيراني. فالحرس ليس مجرد قوة عسكرية، بل مؤسسة سياسية واقتصادية نافذة. أولويته المباشرة ستكون منع الفوضى الداخلية وإظهار تماسك الدولة. قد نشهد انتشارًا أمنيًا واسعًا، وتشديدًا للرقابة، ورسائل حازمة تؤكد استمرار “نهج الثورة”.
خارجيًا، سيكون الحرس أمام معادلة دقيقة: هل يرد عسكريًا لردع الخصوم واستعادة الهيبة؟ أم يكتفي برد غير مباشر عبر حلفائه الإقليميين لتجنب حرب شاملة؟ الرد المحدود قد يحفظ التوازن، أما التصعيد الكبير فقد يفتح الباب لمواجهة أوسع لا ترغب بها طهران في هذه اللحظة الحساسة.
صراع الخلافة
اختيار مرشد جديد لن يكون مجرد إجراء بروتوكولي. هناك تيارات داخل النظام: تيار محافظ تقليدي، وآخر أكثر ارتباطًا بالمؤسسة الأمنية. وقد يسعى البعض إلى صيغة قيادية جماعية بدلًا من شخصية واحدة قوية، لتقليل مخاطر التركيز المطلق للسلطة.
كلما طال أمد الحسم، زادت احتمالات التوتر. وكلما تم التوافق سريعًا على شخصية تحظى بدعم المؤسسة الدينية والعسكرية، ارتفعت فرص الاستقرار النسبي. العامل الحاسم هنا هو وحدة النخبة الحاكمة، لا الشارع وحده.
الشارع الإيراني
المجتمع الإيراني منقسم بين قاعدة مؤيدة للنظام وقوى معارضة تتطلع إلى تغيير أعمق. في لحظة صدمة وطنية، قد يتغلب خطاب التعبئة والوحدة مؤقتًا. لكن إذا شعر جزء من الشارع بضعف السلطة، فقد تتجدد الاحتجاجات، خصوصًا في المدن الكبرى.
مع ذلك، من الخطأ افتراض أن أي اضطراب سيقود تلقائيًا إلى انهيار شامل. أجهزة الدولة الأمنية لا تزال قوية، ومؤسسات الحكم متجذرة منذ عقود.
مواقف روسيا والصين
بالنسبة إلى روسيا، تمثل إيران شريكًا استراتيجيًا في مواجهة النفوذ الغربي. موسكو ستدعم استمرارية النظام، أو على الأقل استقرار الدولة، لأنها لا ترغب في فراغ قد يعزز نفوذ خصومها في المنطقة.
أما الصين، فتنظر إلى إيران من زاوية اقتصادية وجيوسياسية. استقرار إمدادات الطاقة ومشاريع البنية التحتية أولوية لبكين. لذلك ستدعو إلى ضبط النفس وتجنب التصعيد، مع الحفاظ على علاقاتها مع أي قيادة جديدة.
اليوم التالي: أي إيران سنرى؟
السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس الانهيار السريع، بل انتقالًا مضطربًا تتخلله رسائل قوة داخلية وخارجية. قد يتشدد النظام أمنيًا لفترة، وقد يسعى إلى إعادة ترتيب توازناته الداخلية. شكل الجمهورية الإسلامية قد يتغير في التفاصيل، لكن بنيتها الأساسية قد تبقى قائمة إذا حافظت النخبة الحاكمة على تماسكها.
يشكل اغتيال خامنئي زلزالًا سياسيًا، لكنه لا يعني نهاية الدولة فورًا. إيران دولة مؤسسات متشابكة، لا تعتمد على فرد واحد فقط، مهما كان تأثيره. الأيام الأولى ستكون حاسمة: إما أن تثبت قدرة النظام على إعادة إنتاج نفسه، أو تدخل البلاد مرحلة طويلة من إعادة التشكل السياسي.
في النهاية، السؤال الحقيقي ليس من سيجلس في موقع المرشد، بل كيف ستعيد إيران تعريف توازنها بين الدين والدولة والسلاح في مرحلة ما بعد الرجل الذي حكمها لأكثر من ثلاثة عقود.؟



