
لبنان عربي – خاص
لا تنفك هياكل السلطة وتلك المتفرعة عنها عن محاولة وأد الحريات وخنق البلاد التي تتنفس حرية.
أحدث المحاولات تتمثل بقيام نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الشيخ علي الخطيب، برفع دعوى جزائية أمام مدعي عام التمييز، القاضي جمال الحجار، ضد الصحافي والكاتب السياسي ومدير موقع أساس ميديا، الزميل محمد بركات.
وذلك على خلفية ما كشفه الأخير في مقابلة تلفزيونية عن شبهات تحيط بالأموال التي تصل الى صندوق المجلس وكيفية التصرف بها، في الوقت الذي يواجه الآلاف من أبناء الطائفة الشيعية الكريمة أعباءً وأثقالاً تعجز عن حملها مؤسسات بعد تفجر أزمة النزوح التي طالت مناطق وحواضر بأكملها.
وعوض مبادرة المعنيين بالمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الى إصدار توضيحات حول التساؤلات التي طرحها بركات، والتي تهم كل واحد من أبناء الطائفة الشيعية، أو على الأقل التواصل معه لتوضيح الأمور، في حال عد الرغبة في طرح بيانات من هذا النوع أمام الرأي العام.
اختزل نائب رئيس المجلس الشيخ علي الخطيب كل ذلك، وعمد الى اجتزاء ما قاله بركات، وتحويره، من أجل تقديم شكوى جزائية ضده بتهمة القدح والذم.
والقصد من وراء هذه الخطوة تأديب بركات، وكل صحافي أو باحث، أو كل من تسول له نفسه البحث في مصير عوائد الأوقاف والخمس وغيرها.
علماً أنها أموال ذات صفة عامة تعود لجميع أبناء الطائفة الشيعية وليست ملكاً لا للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ولا لنائبه الشيخ علي الخطيب، ولا لأي شخص آخر.
ومع ذلك، وبمعزل عن أهمية التساؤلات التي طرحها بركات، فإن الرد على أي صحافي أو أحد من أبناء مهنة المتاعب لا يكون الا أمام محكمة المطبوعات.
لكن فائض القوة انسحب كذلك على المؤسسات التي تلعب دور الرديف والمناصر لمن يتولى مهمة ملاحقة وترويع الصحافيين والناشطين، ولمن له باع في خنق التحركات والتظاهرات كما شاهدنا مراراً وتكراراً إبان ثورة 17 تشرين 2019.
لكن الزميل بركات تنازل طواعية عن حقه القانوني بعدم المثول إلا أمام محكمة المطبوعات، انطلاقاً من ثقته بالقضاء اللبناني، وبالأخص بمدعي عام التمييز القاضي جمال الحجار، ومن حسن اطلاعه ومتابعته للملف المشار اليه، حيث استطاع تحويل المدعي الى مدعٍ عليه، بعدما تمكن من إثبات الاقتطاع المقصود لما قاله خلال المقابلة التلفزيونية.
وبالتزامن مع مثوله أمام مدعي عام التمييز، تداعى العديد من زملاء مهنة المتاعب والحريصين على ما تبقى من هواء الحرية في لبنان، الى تنفيذ وقفة تضامنية مع بركات، الذي صرح للإعلام فور خروجه من قصر العدل بالعاصمة بيروت مؤكداً أنه سيكمل بهذه الدعوى أمام القضاء “أنا لست هنا لأقول أنني بريء من القدح والذم فقط، بل سأبرز خلال الأسبوع المقبل ما أغفلته الدعوى. وسأبرز ما يثبت الكلام الذي قلته”.
وتابع بركات “أنا المدعي أمام الرأي العام وهم المتهمون، وبما أنهم لجأووا الى القضاء، فنحن نثق بالقضاء وسوف نقدم ما يثبت صحة كلامي”.
وختم بالقول “المسألة الأساس أنني تحدثت عن وجع النازحين، إذ أن هناك أكثر من مليون نازح شيعي اليوم مشردين ولم يستجب أحد لحاجاتهم. وإذا لم نتكلم اليوم كيف سيحترمنا الناس لاحقاً؟ إذا سكتنا الآن فيما أهلنا مشردون والناس تموت في الشوارع، ولا تملك قوت يومها ولا مكان فيه، فمتى نتكلم؟ واجبنا أن نواجه كل من يقصر في تحمل مسؤولياته”.
بدورنا في جريدة “لبنان عربي” الإلكترونية” نقف خلف الزميل محمد بركات، وفاءً لعهدنا بدعم الحريات والزود عنها بما نمتلكه من أدوات بسيطة ومحدودة.
القضية ليست قضية محمد بركات وحده، بل هي قضية كل صحافي وإعلامي وناشط وباحث عن الحقيقة في بلد يحترف ساسته ومن يتحالف معهم دفن الحقائق.



