
لبنان عربي – وحيد حمود
“يلا تنام، يلا تنام
تا ادبحلك طير الحمام”
إنها أغنيةُ أجيالٍ مرّت، منذ الثمانينات وحتى اليوم، وإن تفحّصنا كلماتها لعرفنا أنّها لم تكن أغنيةً بريئة.
فما الرابط بين أغنية النوم وأغنية النور والعتمة؟
الأمهات بريئات، كنّ يضعن تعب آخر اليوم بكلماتٍ تسرّبت إليهنّ عبر أثير مجتمعٍ ضائعٍ بين الحرب والسلم.
هل يستطيع الهارب من رصاصةٍ والراكض وراء رغيف خبزٍ أن يغنّي؟ أن يؤلّف أغنية؟ أن يدقّق بكلمات أغنية؟
الجواب بالطبع لا، حسنًا، ما الرابط يا تُرى؟
دعونا نفكّك الكلمات، فالواقع الذي انتشرت فيه.
“يلا تنام.. يلا تنام” إنّها دعوةٌ بريئةٌ من أمٍّ هدّتها طبخات المجدّرة لأولادها، وعرائس الزعتر، “فالعدس مسامير الرّكب يا بنيّ” و”الزعتر يقوّي الذاكرة”.
لا العدس ثبّت أقدامنا في وطنٍ تهتزّ أرضه في كلّ حادثة كراقصة آخر اللّيل، ولا الزعتر جعلنا نتذكّر من يعبثون بنا منذ ولدنا وإلى اليوم تحت مسمّياتٍ كثيرة كالعيش المشترك والسلم الأهلي والصبر وتحمّل المعيشة بانتظار الفرج، بالمناسبة، إن شاهد أحدكم الفرج فليخبره أن يزورنا.
نعود للأغنية، دعوةٌ بريئةٌ للنوم، النور مطفأ، الجو هادئ، برغش الأمس كان برغشًا، أمّا اليوم فهو مسيّرة تخترق الأجواء فتعكّر صفوَ جدار الصوت، تصيح الأم: ناموا ولا تخشوا البرغش، واليوم التاريخ يعيد نفسه مع بعض التغييرات، لا تخشوا المسيّرة، إنها أمر اعتيادي، وماذا عن النور؟
إنّه محكومٌ نال حكمًا غيابيًّا لعدم مجيئه الليلة، لا وبالأمس أيضًا لم يأتِ، وسمعنا أنّه عنيدُ الرأس ولن يحضر ما دامت هيئة المحكمة نفسها.
سأكتفي هنا ونعود لتكملة الأغنية، ” تا ادبحلك طير الحمام”، إنّني أضحك، وأنتم أيضا تضحكون، كنّا صغارا، لم نكن نفكّر بطير الحمام الذي سيُذبح وبصيرورة العنف التي يؤدّيها فعل الذبح، كان الحمام رمز سلام ولم يزل، لكنّ الأم كانت ستكافئ أطفالها بذبحه إن ناموا، والله إنّه لأمرٌ عجب، لقد نمنا ونمنا ونمنا وذُبحت ألف حمامة، ولم نشهد ما المكافأة التي تًسعدنا؟
يبدو أنّنا قومُ النكد، لا نعرف كيف نفرح، لا بأس،ولكنّ كلّ هذه الطقوس، طقوس الأغنية طبعًا، ووعودها، كانت تُقام كما اليوم في بيئةٍ لا نور فيها، تشبه بيئة اليوم، ما الذي تغيّر؟ الجواب: لا شيء.
نعود للمقطع الثالث من الأغنية، المقطع الأخطر، سامحكم الله يا أمّهات الثمانين والتسعين: “روح يا حمام لا تصدّق،عم اكذب ع ابني لينام”. اضحكوا، ولنضحك جميعنا على سذاجتنا، الأمهات لم يكن يعرفن أنّهنّ يروّجن للكذب، وعلى مسمع الطفل الذي يغمض عينيه فقط لانعدام النور، منتظرًا أن يطل الصباح ليكشف وجه الكون أمامه.
وكذلك النور، نور الكهرباء، أغنيةٌ ردّدتها أمّنا جميعًا، قالت لنا بأن نغفو فهو آت، وما زلنا نصدّقها كطفلٍ ساذج وما زالت تدّعي الصدق كأمٍّ لا تعرف كيف تمنح النور لأبنائها.



