ثقافة

كروية الأرض أو تسطحيها.. مادة دسمة جديدة للجدل التكفيري

لبنان عربي – سعاد عبد القادر القصير

كثُرَت في الآونة الأخيرة النّقاشات حول كرويّة الأرض أو تسطيحها، واستعان كلٌّ من الفريقين بشواهد علميّة وآيات قرآنيّة توضّح رؤيته ويُثبت بها معتقده.

ولكنّ الغريب هو النّقاش الحادّ لدرجة التّكفير المُتبادل من قبل الطّرفين.
فهل تكون هذه القضيّة محورَا جديدًا لانقساماتٍ أُخرى في صفوف العلماء وبخاصّةٍ المسلمين منهم؟

يدحض كلّ من الطّرفين نظريّة الآخر باتّهامه بالغباء، والكفر بما جاء به القرآن.
فهل الأرض كرويّة أم مسطّحة؟ وهل ما قدّمته “ناسا-Nasa” من صور قليلة حول بنية الأرض صحيحة أم مفبركة؟ ولماذا لا يوجد صورة مستحدثة بظلّ ما نراه في عصر التّطور التّكنولوجيّ المخيف الذي وصلت إليه البشريّة اليوم؟
ويبقى السّؤال الأهمّ بالنّسبة للمسلمين هل يفسّر علماء الدّين القرآن وفق الاكتشافات العلميّة؟ أمّ أنّ العلوم تأتي لتبرهن التّفسير المسبق للنّص القرآنيّ؟

منذ أن خلق الله آدم، علّمه الأسماء كلّها، وتوارثت أمّة آدم العلوم، ومع كلّ تقدّم علميّ زادت الفتن، وأرسل الله الرّسل والأنبياء في سبيل توجيه النّاس نحو أساس الخلق، وهو الإيمان بالله وعبادته.
ولا شكّ أنّه حين جاء خاتم الرّسل والأنبياء، سيّدنا محمّد عليه الصّلاة والسّلام، أوحى له الله بالقرآن الكريم يحمل معه من العلوم والمعارف ما لم يستطع العلم الحديث إثباته بالدّليل القاطع حتّى اليوم. وما نحن إلّا مؤمنين بما جاء به القرآن سواء أثبت أم لم يُثبت عن طريق العقل البشريّ، لأنّ الإعجاز القرآنيّ قبل كلّ شيء هو إعجازٌ لغويّ.

فبعد تأويل القرآن وتطابقه مع العلوم التي قدّمتها ناسا حول كرويّة الأرض، عادت لتطوف على سطح النظريّات نظريّة الأرض المسطّحة.
أمّا عن نظرية الأرض الكرويّة فقد قامت على دراسات علميّة وحسابات رياضيّة دقيقة ودلائل موثّقة قدّمها منذ البداية، علماء العرب والمسلمين، أمثال ابن رستة، وابن حزم، وابن تيمية، وغيرهم من العلماء الذين أكّدوا كرويّتها ودعّموا نظريّتهم بشواهد علميّة وقرآنيّة.
فلماذا نعود اليوم إلى النظريّة الأولى التي قالت بتسطيح الأرض؟ لماذا الآن؟ وما علاقة ناسا؟
فهل ما درسناه حول كرويّة الأرض قد يتغيّر؟
ربّما، وربّما لا، ولكن هل هذا مهم؟ هل تستحق بنية الأرض هذا الجدل المستحدث بين النّاس؟ ولمَ الآن؟
واللّافت للنّظر أنّ تأويل القرآن بنا يتناسب مع نظريّة التّسطيح لا يقتصر فقط على مجموعة من علماء المسلمين وأتباعهم، بل آمن بهذه النّظريّة عدد غير قليل من النّاس على مستوى العالم، بدليل عدد الفيديوهات المنتشر على منصّة يوتيوب، عربيًّا وعالميّا.
فلماذا هذا التّشكيك بكرويّة الأرض؟ رغم أنّ ناسا ليست أوّل من قدّم الدليل على صحّة هذه النّظريّة، وسبقها علماء مسلمون كما سبق وذكرنا.

إنّ الشّكوك بما تقدّمه ناسا بدأت منذ قضيّة الهبوط على سطح القمر، إذ أظهرت استطلاعات رأي في أمريكا وروسيا وبريطانيا، أنّ حوالي ٢٥٪؜ ممن شاركوا بالاستطلاع يعتقدون أنّ الهبوط على القمر مزيّف، وربّما يعود ادّعاء ناسا نجاح هذه العمليّة هدفه الفوز بسباق الفضاء.
وهذه الشّكوك وصلت العالم العربيّ، خصوصًا في ظلّ الصّراعات السّياسيّة ونظريّة المؤامرة التي يؤمن بها العديد ممّن يتّهمون أمريكا بمحاولة أمركة العالم.

أصبحت المعلومات التي تقدّمها ناسا، بالنّسبة لفئة غير قليلة عالميًّا، محور شكّ. فلماذا لا يوجد حتى رحلات جديدة إلى القمر؟ وهل السّماء مؤلّفة من غازات أم من ماء؟ هل الأرض ثابتة أم الشّمس ثابتة؟
كلّ العلوم المتعلّقة بالفضاء أصبحت اليوم محور شكّ للكثير من النّاس، لأنّه ببساطة مصدر المعلومات لم يعد موقع ثقة، خصوصًا أنّه لا يوجد أدلّة ملموسة.

فهل هذه حجّة كافية لأصحاب نظريّة التّسطيح أن يشكّكوا بنظريّة التّكوير؟
وإن كان علماء الأرض الكرويّة قدّموا براهينهم العلميّة من جاذبية وغلاف جويّ، وغيرها من العلوم التي تتناسب مع التّكوير، فهل المسطّحين مستعدّين لنسف علوم تعلّمتها أجيال متتابعة لتأتي بعلوم جديدة؟

إذ ينتظر المسلمون دومًا تدعيم الإعجاز العلميّ في القرآن بالدّراسات العلميّة الموثّقة ليُبرهن أوّلًا أنّه الدّين الحقّ.

فأوّل ما تقدّمه لنا القوانين العلميّة الوضعيّة، هو أنّه لا يوجد حقائق ثابتة، فالحقيقة العلميّة نسبيّة دائمًا، وكلّها نظريّات حتى تُثبت بالدّليل القاطع الذي لا يحتمل مجالًا لإعادة التّفسير والتّأويل.
وتركيبة الكون لا زالت محور جدل بين النّاس، والمُخيف أن يتحوّل هذا الجدل إلى اقتتال بدافع الدّفاع عن الدّين، وينسى النّاس أصل الدّين، وهو العبادة.

ويبقى السؤال لماذا كل هذا الاهتمام غير المسبوق لبرهان شكل الأرض؟ وثبوتيّة الأرض؟ وغيرها من العلوم التي ينتظر الجميع إيجاد أجوبة حقيقيّة لها. فهل نحن أمام انقسامات جديدة في صفوف العلماء عمومًا، والعلماء المسلمين خصوصًا؟ وإلى أيّ مدى سيؤثّر هذا الانقسام على الملسمين؟ هل نحن في صدد حرب فكريّة جديدة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى