الرئيسيةتقاريرمجتمع وميديا

النفايات الصلبة في لبنان.. استثمار مستقبلي واعد

لبنان عربي – خاص

تعدّ النفايات الصلبة من أخطر القطاعات التي تتهدد لبنان، دون إيجاد حل جذري لأزماتها المتتالية على مر العقود، فلجأت الحكومات المتعاقبة منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي إلى اعتماد المطامر كحل غير علمي وغير صحي لمعالجة هذا الملف، لكنها امتلأت بنفايات غير معالجة واستنفدت قدراتها الاستيعابية، ومع كل إغلاق لمطمر كانت تتكدّس النفايات في الشوارع وبين المنازل، حاملة معها كل أشكال التلوث والأمراض.

إبعاد النفايات الإلكترونية عن الطبيعة

تعد النفايات الإلكترونية واحدة من أعقد المشكلات في لبنان الذي يعاني من غياب المعامل المختصة في إعادة تدويرها، فترمى في المطامر دون معالجة، في حين أنها تحمل مواد كيميائية ومعادن ثقيلة تنتقل إلى التربة.

اليوم، تركز شركة AKS للتجارة والصناعة والتي بدأت نشاطها قبل 50 عاماً في جمع الحديد والخردة والألمنيوم وإعادة تدوير البلاستيك، على النفايات الإلكترونية، وتقول ملاك خليفة من فريق الشركة، بأن لبنان ينتج نفايات إلكترونية بشكل كبير، ففي كل بيت وشركة هناك حواسيب وأقراص مضغوطة وهواتف، تجمعها الشركة من المنازل والشركات والمؤسسات وتصدرها إلى الخارج خاصة الصين واليابان لإعادة تدويرها، حيث يُستفاد من المواد الثمينة داخلها.

وتشير الخبيرة إلى أن لبنان يفتقر إلى معامل إعادة تدوير النفايات الإلكترونية، وهي عملية تحتاج إلى الكثير من الآلات، “لهذا دأبت الشركة على تجميعها وبيعها للخارج”.

بالنسبة لخليفة فإن النقطة الأهم بهذه العملية هي “أننا نحمي الطبيعة من التلوث، فالنفايات الإلكترونية تلوث البيئة خاصة إذا رميت في المطامر أو الطبيعة، وتتفكك مكوناتها وتتسرب للتربة ومنها إلى المياه الجوفية”.

النفايات الصلبة مجال هام للاستثمار

يشير مؤسس شركة “إدارة نفايات لبنان” بيار بعقليني إلى أن وزارة البيئة وضعت خطة لإدارة النفايات وأقرتها في الموازنة، وتنتظر التصويت عليها في المجلس النيابي لتصبح مشرعة ودائمة. ويشرح الخطة المبنية على ثلاث ركائز: الأولى استرداد الكلفة، فكل مواطن وكل منزل وفندق ومطعم ومؤسسة يتوجب عليهم دفع اشتراكات لرفع النفايات، والثانية مراكز الاستلام والفرز، فيُحضر الناس مفروزاتهم ويتقاضون ثمنها، ومن بعدها تحمل هذه المفروزات إلى معامل المعالجة.

النقطة الثالثة هي الحوكمة ونظام المعلومات الخاص بالنفايات، مما يتيح تتبع المنتج من لحظة تصنيعه حتى رميه لنعرف إلى أين وصل، إلى المطمر أم إلى مركز الفرز؟ وهل خضع للفرم وإعادة أو لا؟

ويضيف بعقليني: “هذه الخطة حقيقية وواقعية، تبني أساساً لمستقبل مستدام للنفايات وتصلح مشكلة مزمنة عمرها أكثر من ثلاثين سنة. هذا القطاع فيه أكثر من 150 مليون دولار استثمارات، ويمكن خلق أكثر من 30 ألف فرصة عمل للبنانيين في هذا المجال”.

وبحسب البنك الدولي والدراسات التي أجرتها وزارة البيئة أواخر عام 2022، فإن لبنان يفرز 19% من نفاياته فقط، ويبقى 81% منها غير مفروز، فترمى في المكبات أو تحرق أو تطمر.

المبادرات الفردية والقرار الحكومي

أشارت جمعية “الأرض-لبنان” في دليل نشرته في وقت سابق إلى وجود 6 مؤسسات لتدوير الورق، و 9 مؤسسات لدوير المعادن، و15 مصنعاً لتدوير البلاستيك، ومعملين لتدوير الزجاج، و8 معامل لجمع وتدوير القماش والنفايات الالكترونية والاطارات والزيت المحروق.

في هذا السياق، يرى رئيس الجمعية الناشط البيئي بول أبي راشد في أن لبنان في وضع صناعي جيد لتدوير المواد كالورق والكرتون والبلاستيك أو تصدير المعادن ولكن هناك مشكلة في تدوير الزجاج بسبب عدم وجود المعامل، فمنها ما أغلق وبعضها دُمّر خلال حرب عام 2006.

أما واقع التدوير والفرز من المصدر فيرى أبي راشد أنه غير مشجع، فالمبادرات الفردية لم تتحول بعد إلى قرار حكومي وطني بالفرز من المصدر، شارحاً بأن من يشجع على الفرز من المصدر هي مبادرات تبغي الربح وليست البلديات. ويضيف: “هنا تكمن المشكلة، لأن فشل معالجة النفايات في لبنان سببه الخصخصة والاحتكار وهو ما أدى إلى انفجار القضية عام 2015. واليوم تغيب كل الحلول عن الحكومة والبلديات ويظهر فقط على الشاشة بضعة مبادرات فردية ممولة تخفي وراءها مكبات ومطامر سوف تمتلىء وتلوث البحر والمياه الجوفية والهواء والتربة”.

يؤكد أبي راشد أن لبنان يعيش مرحلة أخطر من مرحلة المطامر، وهي مرحلة الفوضى، فلا فرز قبل الطمر، والمطامر عشوائية في كل المناطق، في ظل اقتراحات لمواقع جديدة لها غير ملائمة للبيئة، هذا عدا غياب دولة القانون والمؤسسات بحجة الحرب وفقر البلديات.

لبنان اليوم مهدد بعودة أزمة النفايات الصلبة مع احتمالات إقفال المطامر المنتشرة على الخارطة اللبنانية، وتبقى المبادرات الفردية كوّة النور في جدار العتمة، إلا أنها بحاجة إلى أن تكون ضمن خطة تنتهجها الدولة بكل مؤسساتها، ليكون الحل جذرياً والمشكلة إلى غير رجعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى