الرئيسيةتقاريرعربي دولي

طلب مني ابني أن أحضر له قدمه المقطوعة كي يودعها.. شهادات مروعة من مجزرة مواصي خان يونس

لبنان عربي – متابعات

“كنت أحمل طنجرة فارغة متجهاً للتكية القريبة من خيمتي، للحصول على بعض الطعام لعائلتي. فجأة تغير لون السماء، واستبدل ضوء النهار بالعتمة والغبار. أصابتني إغماءة قصيرة، وكنت كلّما حاولت النهوض، أجد أقداماً تتراكض من حولي. وقفت. كأني نسيت كيف كنت أمشي”.

هكذا وصف خليل مقداد (47 عاماً)، اللحظات الأولى من مجزرة “مواصي” خانيونس، التي ارتكبتها إسرائيل يوم السبت 13 تموز، فقتلت أكثر من 90 فلسطينياً وجرحت أكثر من 300.

“شعرت بأنني أعيش داخل لعبة رعب مصنوعة بالذكاء الاصطناعي”، يقول خليل النازح من شمال غزة إلى منطقة المواصي.

استجمع خليل قواه، وتذكر بأن ابنه كان معه، فصار يتلفّت ويدور حول نفسه. ويتفقد ملابسه وجسده دون وعي. ثم صرخ: أين ابني؟

فقد خليل والنازحون في المكان إحساسهم بمحيطهم الذي انهالت عليه الصواريخ الثقيلة، فأبادت في طريقها كل شيء حي.

ليتبين بعد لحظات حجم المجزرة التي عُدّت الأكبر، من حيث عدد الشهداء والجرحى، في منطقة روَّج الجيش الإسرائيلي لها بأنها منطقة “إنسانية آمنة”، وأمر الغزيّين بالنزوح إليها في أيار/ مايو الماضي.

اللحظات الأولى من المجزرة

وفيما انشغل العالم باستهداف محمد ضيف، وإنكار استهدافه، كان النازحون في مواصي خانيونس يلملمون أشلاء شهدائهم، وينقذون جرحاهم، وينقلونهم إلى مستشفى ناصر والمستشفى الكويتي، الذين لا يمتلكان القدرة على استيعاب هذا الكم من الضحايا في ظل انهيار المنظومة الصحية بسبب الحرب والحصار.

هدأ القصف، لكن أصوات الناس كانت تتعالى بالصراخ والنحيب. وكعادة أهل غزة، لا يهرب أحد من صوت القصف، بل يهرع الجميع باتجاه المكان كي ينقذوا من يمكن إنقاذه من الناس.

يقول خليل: “وجدت ابني ينزف على جانب الطريق. ربما طيّره ضغط الهواء جراء القصف، أو أزاحه أحد عن الطريق كي لا يموت دهساً”.

ويردف: “لم أجد جسد ابني كاملاً. كان مضرجاً بالدماء والكدمات دون قدمه اليسرى. مسحت وجهه من الدم والغبار، وتأكدت من أنه لا يزال حياً”.

“وددت للحظة أن أسحبه من يده ونجري كما كنا نفعل في السابق. لكني أدركت بأنه لن يستطيع ذلك. فحملته وتناوله مني أحد المسعفين، وأنا أصرخ: هذا ابني.. فقد قدمه، فقد قدمه”.

ويضيف بحسرة: “طلب ابني مني أن أحضر له قدمه المقطوعة ليودعها. وبناءً على رغبته عدت عصراً لتفقد المكان، لكني لم أجد قدمه”.

وجد خليل الناس يحملون ابنة أخيه شهيدةً. عرفها من ملابسها التي أهداها إياها قبل أسبوعين، ومن شامة أنفها التي استطاع بالكاد أن يتبيّنها.

هذه أشلاء بشر كان يضحكون قبل دقائق

تصف أمينة أبو ريدة (31 عاماً)، النازحة من شمال غزة إلى منطقة المواصي، شعورها لحظة وقوع المجزرة قائلة: “فجأة، بدون أية مقدمات، سمعت زعيق صاروخ يشق الفضاء، وشعرت بأن ضغط الهواء من حولي بدأ بالتخلخل، وكأن قلبي سقط من مكانه”.

“صاروخ، اثنان، ثلاثة، ضربات متتالية من البحر، الناس تجري وحالة هلع في المكان، خوف كبير، ولا أحد يعرف ما الذي حدث”، تقول أمينة.

وتضيف: “اتجهت لأبحث عن أخي الصغير، فوجدت نفسي في بركة من الدماء، أمشي فوق أشلاء كثيفة متناثرة على الأرض. هذه أشلاء بشر كانوا يضحكون معنا قبل دقائق، ويعيشون حالة النزوح البشعة منذ عشرة أشهر”.

لا تخفي أمينة شعورها العارم بالصدمة، ولا تدري إن كانت ستتعافى من هول ما رأت. “لقد شعرت بأن الحياة امتلأت بالأشباح الجائعة في لحظة. لربما تقضم جسدك، رأسك، يدك، قدمك. وإن لم يحدث أي من هذا، فقد تمحوك إلى الأبد”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى