
لبنان عربي – خاص
“بعض المكاسب لإيران والكثير من المخاوف والترقب” هذا هو العنوان العريض للتقارب التركي مع دمشق وعلاقته بإيران الحذرة من أن يمس نفوذها الذي بات الأكبر في سوريا ولا سيما في الجانب الاقتصادي.
التباين التركي الإيراني
تفاوتت العلاقة بين الطرفين ما بين حدة الصراع وقوة التحالف في العديد من القضايا المرتبطة بالبلدين، أما في ما يتعلق بالملف السوري فقد لوحظ خلال الفترة الماضية أن إيران تذهب باتجاه تهدئة الأجواء بين تركيا والنظام السوري عبر طرحها مبادرات سياسية بينهما لتعويم الأسد، لكن الجانب التركي كان دائماً ما يفضّل التعامل مع روسيا فقط وتغييب دور طهران.
تفوقَ الطموح الإيراني على الحلم التركي لأسباب متعلقة ببنية نظام الحكم السوري الموالي لإيران صاحبة الانتشار الاوسع في سوريا بـ 529 موقعاً مقابل 126 لتركيا، بالاضافة الى البعد التاريخي الحاكم في علاقات الجانبين، ذلك أن إيران شكلت تاريخياً حجر عثرة أمام التوسع التركي منذ عهد الدولة العثمانية.
ورغم ذلك، فقد قدّمت إيران، الساعية لإنشاء ما يسمى بـ”الهلال الشيعي”، خدمة كبيرة لتركيا. في ورقة بحثية قدمها المتخصص في شؤون الأمن القومي والدراسات الإيرانية، فراس إلياس، لمعهد “واشنطن لسياسات الشرق الأدنى”، أشار إلى أن الصورة الطائفية التي قدمت بها إيران نفسها، أدت إلى عزلها إقليمياً وزيادة عدم الاستقرار داخلياً ما سمح لتركيا بأن تدخل هذه المجتمعات من الباب الواسع، لتطرح نفسها على أنها “البديل السياسي الناجح، والقادر على تبني القضايا الإسلامية والعربية”.
على أبواب دمشق تضيق طرق العلاقة بين طهران وأنقرة ويظهر بوضوح التنافس الاستقطابي وتضارب مصالح الجانبين لتوظيف سوريا في المشروع الإقليمي لكل منهما.
وتكمن أهمية سوريا بالنسبة لتركيا في كونها معبراً اقتصادياً وتجارياً للعالم العربي من جهة، وتمركز الجماعات الكردية الانفصالية التي تهدد أمن تركيا في الحدود السورية الشمالية. أما بالنسبة لإيران، فسوريا جبهة متقدمة لتهديد الكيان الإسرائيلي، وقلب مشروع “الهلال الشيعي الصفوي” المناهض للسنية العثمانية والمتوافق مع منهجية سلطة دمشق.
يقول الباحث والكاتب المتخصص في الشأن الإيراني نزار الجاف، أن إيران وترکيا منذ العهدين الصفوي والعثماني تنافستا من أجل الهيمنة على العالمين العربي والإسلامي تحت غطاء الإسلام ولئن تلاشى نوعاً ما هذا التنافس خلال عهد الشاه والعهد العثماني فقد عاد مجدداً بشكل متعاظم مع تراجع الدور العربي ولا سيّما ضعف الدور المصري وانتهاء الدور العراقي.
إيران تواجه تحديات إستراتيجية
في نيسان/ أبريل عام 2017، بلغ الخلاف ذروته بين أنقرة وطهران، إذ هاجم الرئيس أردوغان إيران، في مقابلة تلفزيونية، معتبراً أنها تنتهج سياسة انتشار فارسية في العراق وسوريا، وأن كركوك العراقية التي دخلها الحشد الشعبي الموالي لإيران هي تاريخياً مدينة للتركمان المنتشرين أيضاً في عدة مناطق شمال سوريا.
وقد تجدّد الخلاف بين الطرفين في آخر عملية عسكرية برية للقوات التركية شمال سوريا أواخر عام 2019، والتي سيطرت من خلالها على منطقتي “تل أبيض” بريف الرقة و”رأس العين” بريف الحسكة إذ طالبت إيران تركيا بإنهاء تلك العملية واحترام وحدة الأراضي السورية، وسيادتها، لتكون المفاجأة الأبرز في حزيران/ يونيو 2020 عندما قصف سلاح الجو التركي المنطقة الممتدة من معرة النعمان إلى سراقب بجنوب شرق إدلب، والذي أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 15 عنصراً من حزب الله اللبناني الموالي لإيران.
يرى الباحث الجاف أن الدور الإيراني في سوريا من حيث القوة والتأثير يأتي مباشرة بعد الدور الروسي، وبسبب عدة عوامل من ضمنها الأوضاع الداخلية الصعبة لإيران ولا سيّما بعد مصرع الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي، والتململ الذي بدأ يظهر على النظام السوري جرّاء سعي إيران إحکام قبضتها أکثر فأکثر على الأوضاع في سوريا، خصوصاً وأن ترکيا تجد نفسها معنية أکثر من إيران بالشأن السوري لوجود حدود طويلة بين البلدين، ما يعني أن التخوف الإيراني بدأ يتزايد من هذا التقارب وينظر إليه بحذر بالغ.
ويعلّل الجاف ذلك التخوّف من أن ترکيا تسعى لإعادة خلط أو ترتيب الأوراق ولا تريد أن يهيمن النفوذ الإيراني على سوريا والعراق بالقوة نفسها حتى لا تکون ترکيا بين کماشتين إيرانيتين إن صح القول. ولذلك، وفق رؤية الجاف، من الممکن والمحتمل أن تسعى ترکيا لتوثيق علاقاتها وتطويرها مع سوريا بحيث تکون ذات قوة قد توازي العلاقة الإيرانية مع سوريا مع احتمال تطويرها مستقبلاً، مع الأخذ في الحسبان أن احتمال فوز ترامب في الانتخابات الأمريکية في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، يمنح المزيد من القوة لترکيا والضعف والضغط على إيران.
ويشكّل شمال شرقي سوريا المتاخم لتركيا والمرتبط مع الشمال الغربي العراقي خاصرة رخوة بالنسبة لأنقرة باعتبار تمركز قسد وحليفها الأمريكي والعمال الكردستاني والحشد الشعبي العراقي، عكس الشمال السوري الغربي، الذي يشكّل مساحة تامة للنفوذ التركي باعتبار وجود فصائل المعارضة السورية الموالية لأنقرة وحاضنتها المعادية لإيران. وبناء على ذلك، يشير الباحث الجاف إلى أن ترکيا قد تقوم بعمليات تغيير ديموغرافية في المناطق الحدودية المتاخمة لها تماماً کما فعلت إيران في المناطق الحدودية العراقية ذات الکثافة السنية عبر طرد السنة من تلك المناطق واستقدام سکاناً من العشائر الشيعية من جنوب العراق مکانهم.



