طرابلس الفيحاء في الذاكرة: الحلاقون

محمد سعيد السويسي
خاص – لبنان عربي
كانت صالونات الحلاقة منتصف القرن الماضي في أسواق مدينة طرابلس الفيحاء بسيطة الأثاث. إذ كان معظمها يتوسطه كرسي أو كرسيان للحلاقة من الموبيليا المقششة، أمامهما مرآة مستطيلة طويلة، وخلفهما مرآة مائلة قليلاً الى الأمام، ليستطيع الزبون أن يرى حلاقة رقبته إن كانت تعجبه أم لا.
وكان هناك مروحة في السقف، إذ لم يكن من أجهزة تبريد وقتذاك، تدار ببطء حتى لا تنثر الشعر المتساقط في فضاء الصالون. كما كان يوضع خلف كرسي الحلاقة على الجدار الآخر بعض كراسي الجلوس المستطيلة والمفردة، لينتظر الزبائن دورهم.
في تلك الحقبة، كان من الصدف أن تجد حلاقاً جالساً دون عمل، إذ كانوا مشغولين دائماً بأعمال الحلاقة، وكان عليك أن تنتظر بين ربع ساعة وساعة كي يأتي دورك. فمعدل الوقت لحلاقة رأس الزبون هو ربع ساعة على الأقل، إذا لم يكن هناك من حلاقة ذقن أو تشذيب لحية أو شوارب بما يزيد من التأخير والانتظار.
كان الحلاق يبدأ عمله في حلاقة الذقن بترطيبها بالماء الساخن والصابون، بواسطة فرشاة قبل حلاقتها بالموسى، التي كان “يسنها” على حزام جلدي أسود “القشاط”. لم يكن هناك معجون الحلاقة معروفاً حينذاك، لذا كان الحلاق يكلف صبياً يعمل عنده أو ابنه، كي يبرش لوحاً من الصابون بالسكين، أو بآالة البرش المعدنية المخرّمة، التي تستعمل لبرش الأجبان والخضروات، الى أن يصبح مثل البودرة، فيجمعها في علبة ويأخذ منها ما يحتاجه في عمله.
إلا أن بعضهم كان يضع لوحاً من الصابون في وعاء أو كاسة نحاسية صغيرة يفرك عليها الفبشاة المبللة بالماء الساخن، ويديرها بسرعة على الصابون حتى تمتلئ بالرغوة، ليضعها على ذقن الزبون من أجل تطرية الشعر تسهيلاً لحلاقتها.

الحلاق والزرزور
من الطريف أن بعض الحلاقين كانوا في الشتاء يرشون نشارة الخشب على أرض الصالون حتى لا يتسخ من الوحول، ثم يقومون بكنسه في المساء قبل الإقفال.
أما في الصيف، فكان الذباب والبعوض يتكاثران من بساتين الليمون التي كانت تحيط بمعظم طرابلس، وعلى مساحات واسعة، لذا فإن بعض الحلاقين كانوا يلجأون الى تربية عصفور الزرزور الذي كان يقفز من مكان الى آخر طليقاً في الصالون لالتقاط الذباب.
كما كان البعض الآخر يضع شريطاً لاصقاً من الورق يتدلى من السقف حيث يتخذ منه الذباب محطة وقوف ليعلق ويموت، ولا يبدله بآخر جديد إلا بعد أن يغلب عليه اللون الأسود.
كذلك كان بعض الحلاقين يمارسون أعمال الطب البسيط ليزيد من دخله، فيعمد الى طهور الأطفال والأولاد. والبعض الآخر مان يمارس طب الأسنان من خلع وتركيب ومداواة.
كما أن البعض منهم كانوا يمارسون أعمال الشعوذة في مداواة الورم المعروف بـ”أبو كعب”، حيث كانوا يكتبون على خد الطفل المصاب بعض الأدعية غير المفهومة، ويحيطونها بالدوائر وينفخون عليها!
وكانت خدمات الحلاقة تختلف عما هي عليه الآن. إذ أنه بالإضافة الى تشذيب الذقن والشارب، كان الحلاق يقوم بتنظيف الأذنين والمنخرين والحواجب والخدود من الشعر الزائد عند كل حلاقة بالملقط والخيط. ثم يمسح الرقبة والوجه بــ”الكولونيا” وتالياً بالمنشفة.
وبعدما تبخرا، يفتح علبة بودرة صغيرة، ويغطس بها قطنة أو قطعة قماش ناعمة، ويبدأ بمسح وجهك بالبودرة إن كنت حلقت ذقنك، ورقبتك إن كنت حلقت شعر رأسك. ثم يبدأ بفرشاة بيضاء ينفض البودرة عن وجهك ورقبتك.
نعيماً.. العبارة الأثيرة
بعد الانتهاء يرفع المنشفة عن صدرك ويقول لك عبارته الشهيرة “نعيماً”، والتي تعني بأن الحلاقة قد أنجزت لتنقده أجره.
وكان أجر الحلاقة غير محدد، بل يترك وفقاً لما يجود به الزبون، طبقاً للمثل السائد “العطاء قيمة”، أي أنه لم يكن هناك من أجر محدد، حيث كان الزبون يعطي للحلاق أجره في الخفاء، ويضعه في جيبه أو بيده محاولاً قدر المستطاع عدم ملاحظة أي من الزبائن الحاضرين المنتظرين دورهم قيمة هذا العطاء.
لذا كان هذا الأجر يختلف من زبون لآخر وفق قدراته المالية ومكانته الاجتماعية أو سخائه، ولا زالت هذه العادة موجودة عند البعض حتى الآن. إلا أنه كان هناك أجر متعارف عليه بين الناس، وهو ليرة واحدة لحلاقة الرأس، وربع ليرة لحلاقة الذقن.
لكن، مع بداية الستينات، وتوسع المدينة بشكل مطرد، بدأت بعض الصالونات تفتح في المناطق الجديدة تبعاً لارتفاع الكثافة السكانية، وارتفاع الدخل والأجور. وبالتالي اختلفت أجور الحلاقة عنها في الأسواق. فارتفعت أجور الحلاقة في هذه الصالونات، وأضحت تتراوح بين 3 الى 5 ليرات حسب موقع الصالون وبعده أو قربه من السوق. كما أضحى أجر حلاقة الذقن ليرة واحدة.
إلا أنه درجت عادة الأجر الشهري عند البعض، حيث كان الواحد منهم يحلق ذقنه يومياً، مع حلاقة الرأس مرتين شهرياً، لقاء 25 ليرة لبنانية، علماً أن سعر صرف الدولار حينذاك كان ليرتان تقريباً، والحد الأدنى للأجور 160 ليرة لبنانية.
تميزت هذه الصالونات الجديدة آنذاك بكراسيها الفخمة، وتطوير الحلاقة والتفنن بها. فأدخلت غسيل الشعر وتنشيفه بالسيشوار الكهربائي أجوراً إضافية، بحيث ترتفع الأجرة مع هذه الخدمات لتصبح 10 ليرات. وافتتح بعضها داخل الصالون زاوية صغيرة، أو واجهات زجاجية وأرففلبيع العطورات والكريمات على اختلاف أنواعها.
وما زالت هذه المهنة في تطور دائم مع تقلب الأيام، وبالتالي تطور أجر بعضها الى حد كبير، مع تزايد الطمع وغياب التسعيرة الموحدة.
ومع ذلك، فإن الأجور كانت تتراوح مع مطلع السبعينيات بين حي وآخر من 5 ليرات الى 20 ليرة. إلا أن البعض قد يحظى بـ50 ليرةمع الزيادات التي أشرنا اليها أو بدونها. في حين أن المعدل العام للأجرة لدى الغالبية هو 10 ليرات للحلاقة.
ومعظم الحلاقين الشبان الحاليين تخرجوا من مهنيات رسمية أو خاصة. أما في الماضي، فإن الحلاق كان يتعلم مهنته منذ الصغر لدى حلاق آخر، ليفتح صالوناً لنفسه بعد أن يكبر ويتقن المهنة، خصوصاً إجادة حلاقة الذقن بالموسى دون أن يتسبب بجراح أو دماء عند الزبائن، وذلك وفق تعريف أصحاب المهنة العريقين.
كما كان هناك بعض الحلاقين الجوالين، خيث يفضل بعض زبائنهم أن يحلقون لهم ولأولادهم في بيوتهم أو محلاتهم. وهؤلاء كانوا يتلقون أجراً أعلى من حلاقي الصالونات، بما يشبه الإكرامية.
وقد تخصص هؤلاء الجوالون بحلاقة المرضى في المستشفيات، إنما قل عددهم حالياً الى حد الزوال، مع تكاثر وجود الحلاقين في كل حي تقريباً.



