
لبنان عربي – خاص
من مساوئ قانون الانتخابات النيابية الأخير في لبنان، أنه سمح لنوعين من المرشحين ان يستغلا النظام النسبي واللوائح المقفلة ويتوجا نواباً، أولهما رجل أعمال يرى الناس سلعة تباع وتُشترى، فيشتري منها ما يمكّنه من الدخول الى القبة البرلمانية، ثم يبيعها بعد ذلك بثلاثين من الفضة، وثانيهما رجل يظهر بأن لا لون ولا طعم ولا موقف له، عبارة عن سراب، والسراب في قانوننا يصبح نائباً ببضعة أصوات، وفقا لمعادلة لا انصاف فيها ولا من يحزنون.
ولدينا في طرابلس مثالاً عن كل من النموذجين المشار اليهما سلفاً، الأول وهو المغترب اللبناني الاسترالي ايهاب مطر، الذي مَطَرَ على الطرابلسيين بهيبته المصون، فارتوت النفوس من قمحه وتكاثرت الأصوات على بيدره، فحصد بمنجل الدولارات أصواتاً مكنته من أن يصبح “سعادة النائب”.
أما الثاني فهو الطبيب الخلوق جداً حيدر ناصر، الذي سوّق نفسه داخل بيئة التغيريين على أنه وجه طرابلسي علمي لا ارتباطات سياسية له، طالباً منهم أن يتفهموا موقفه من القيادة السورية نظرا لحساسية الموضوع في منطقته جبل محسن، في مقابل مهاجمته الشديدة لحزب الله الذي “يعمل على تشييع العلويين في سوريا ولبنان” على حد قول ناصر نفسه.
وما إن وضعت الانتخابات أوزارها، وتقدم الوزير الأسبق فيصل كرامي بطعن نيابي بوجه نائب لائحة “انتفض” رامي فنج، حتى سارع ناصر الى الدخول في الطعن بطعن آخر كان بمثابة خنجر ضرب بظهر فنج ومن معه، لأن الطعن لم يكن منسقاً مع اللائحة بل جاء باجتهاد من عين التينة التي كان يزورها ناصر باستمرار لحفظ مكانة سياسية له وللتأكد من حصوله على المقعد في حال سقوط نيابة فنج، مقدما كل أوراق الاعتماد اللازمة للدخول في محور الممانعة.
طعن ناصر نفسه عندما اشترك بالطعن، متجاوزاً كل الأدبيات السياسية والانتخابية، وقافزاً فوق كل القيم الأخلاقية التي كان يتغنى أنه تربى عليها في بيت فيه من الأدب ما فيه من الديبلوماسية.
وما زاد طين “الأسد الجميل الخلوق”، انتصاره للخطاب الطائفي الجغرافي على حساب الخطاب الوطني، فما انتصر لمظلوم في مدينته ولا لمشروع ولا أنجز ملفاً يعود بالنفع على الطرابلسيين، جلّ ما فعله التغني بالكشف عن عشرات الفقراء من مواطني جبل محسن في عيادة مجانية، يطل عليها في السنة مرة أو مرتين.
فأين حيدر ناصر مما يجري في مدينته من مظالم؟ وماذا قدّم للمدينة على مدى عامين ونيّف؟ ولماذا ارتضى أن يكون الطاعن لا المطعون، وماذا جنى من ذلك؟ وأين انجازاته لأهالي جبل محسن الذين هم أيضاً يفتشون عنه في مناسباتهم الحزينة والسعيدة فلا يجيدونه، انما يطعمهم شعراً وبوستات على الفيسبوك، ولا يزورهم الا لماما.
على ناصر ان يسقط اختصاصه الطبي على عمله السياسي، فيشخّص تقصيره جيدا ثم يصف لنفسه الدواء اللازم، آخذا في عين الاعتبار ضرورة تناول جرعات كافية من أدوية الالتهابات لتعيد له مناعته، وتذكره بأنه نائب عن الأمة جمعاء لا عن عشرات المواطنين الذين يعاينهم مجاناً في عيادته.
ونحن في “لبنان عربي”، على عهدنا، بأن من يقصّر نذكّره بدوره، ومن ينجز فله وللمدينة وأهلها.



