رأي
الإستقالة الجريئة.. فرصة لإعادة تشكيل المشهد البلدي من جديد

لبنان عربي – وحيد حمود
لقد شاهد الجميع ما حدث من تشوّهات شابت عمليّة انتخابات المجلس البلديّ في طرابلس، لعلّ أعظمها هو ممارسات المحافِظ السّابق غير المسؤولة والكيديّة في العديد من المحطّات، ولم تكن هذه الممارسات وحيدةً إذ إنّ نسبة الانتخاب في مدينة العلم والعلماء كانت توازي عظمة الخطأ الذي قام به المحافِظ، فالتغيير لم يكن يومًا عبر الدّعاء على الظالم فقط، بل هو قَولٌ يرافقه فِعل، إذ إنّ المواطن الطرابلسي مسؤولٌ بشكلٍ مباشر عمّا آلت إليه الأمور، وطبعًا أُشير تحديدًا إلى الذين اعتزلوا الانتخابات عن قصد أو عن غير قصد.
لقد شارك في انتخابات طرابلس البلديّة التي جرت في أيار ٢٠٢٥، حوالي ٦٥٠٠٠ من سكّانها، في حين بقي نحو ٢٠٠.٠٠٠ ناخب في بيوتهم وفقًا لإحصاءات وزارة الدّاخليّة والبلديّات.
إنّ الخطورة في هذا الأمر لشديدة، وقد رأينا ما حصل في السنوات السابقة، إذ بقيت المدينة على ما هي عليه رغم تعدّد المجالس البلديّة وتغيّر الوجوه. وهنا يظهر سؤال فيطرح نفسه:
أيها الطرابلسيّون المعتزلون، هل يعجبكم منظر أهم نهر في طرابلس؟ هل سيّاراتكم لا تعاني من الحفر والمطبّات أثناء السّير؟ هل هناك من يدعو لمهرجانات تعرّف بتراث طرابلس بصفتها عاصمة ثقافيّة وتراثيّة؟ هل رأينا تسليط الضّوء على أسواق طرابلس وأهميّتها؟ هل باتت الطّرقات مُنارة؟ هل ترضون بهذه الأرصفة؟ هل رُمّمت المباني الأثريّة والمباني القديمة؟
هل وهل وهل وهل وهل…. اكتبوا ما شئتم من أسئلة ومشاريع تنمويّة تفيد هذه المدينة واسألوا ما شئتم، فأنتم بمقاطعتكم للانتخابات مشاركون بجريمة إقصاء وإهمال مكانة ودور هذه المدينة كما أهملها الذين استلموا زمام أمورها في السابق.
الاستقالة
واليوم، ومع الاستقالة التي تقدم بها أعضاء لائحة نسيج والاستاذ ابراهيم عبيد، هذه الخطوة الجريئة التي لا يُقدِم عليها سوى من يبدّي مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد، يبرهن المهندس وائل زمرلي وأعضاء لائحته على أنّهم أصحاب رأي وقرار ودخلوا المجلس لكي يكونوا مكلّفين لا مشرّفين بلقب عضو أو رئيس.
ويتبيّن لنا نحن جميعًا أنّ هذه المدينة لا تحتمل ست سنوات أخرى بقرارٍ مهمّش ومرتبط بأي جهة سياسيّة غير فاعلة، ولعلّ ما ساعد في السير نحو قرار الاستقالة هو الزيارة الأولى التي قام بها الدكتور عبد الحميد كريمة للوزير فيصل كرامي، والتي برهنت على أنّ المجلس البلديّ يُراد له الارتهان للجهات السّياسيّة، الأمر الذي أجّج الشارع إذ أحسّ أهل المدينة بأنّ فرصة التغيير تُسحب من بين أيديهم من دون أن يكون لهم أيّ دور في مواجهة طبقة سياسيّة تجذّر فسادُها في المدينة وتجلّى في دعمها للائحة مسيّسة.
وقد جرّبت طرابلس المجالس المسيّسة ورأت نماذجها على الأرض، فهي وإن لم تلفظ سياسيّيها، فلا تودّ منهم سوى أن يسهّلوا عمل البلديّة فلا يعرقلوه، أو ألّا يتدخّلوا فيه لا من قريب ولا من بعيد وهذا أضعف الإيمان.
إنّ خطوة الاستقالة لقرارٌ جريء اتّخذه رجالاتٌ شجعان، ومهما كانت نتيجة هذه الخطوة ستكون في مصلحة طرابلس وأبنائها، فإن رضخ المعنيّون بقرار تهميش صوت الشّعب لمطالب اللائحة المستقيلة وهداهم الله لما فيه خير هذه المدينة وأهلها فإنّ قرار الاستقالة سيُنظر فيه ويتمّ سحبه خلال مدّة أقصاها شهر، ويكون هذا القرار لمصلحة المدينة أيضًا، أمّا وإن ملأ الغرور والتّعنّت الجزء الآخر، وأفرط بهدم ما يريده شعب طرابلس، فللغد انتخاباتٌ جديدة تُعيد تصحيح المسارات فيفوز من هو جديرٌ بحقّ بالمجلس البلديّ، لا سيّما وأنّ صاحب المخالفات والتهميشات الكبرى وأقصد به المحافظ بات خارج قرارات هذه المدينة.
يا أبناء طرابلس، أيّها المعتزلون، أيّها المقاطعون، أيّها المنسيّون في أقبية التهميش، آن الأوان لتعيدوا تشكيل المشهد البلديّ كما تريدون وكما تستحق هذه المدينة، آن الأوان لكي تعيدوا تصحيح المسارات كلها وسحب المجالس ممّن يريدون تسييسها وإبطال عملها، آن الأوان لكي تضعوا أصواتكم في صناديق الاقتراع وتعبّروا عن رأيكم فيها، انتخبوا من تظنّون فيه الخير ولكن انتخبوا، لا تتركوا أصواتكم نائمة، فأنتم والله مشاركون في صنع وجه هذه المدينة، انتخبوا من يستحقّ ولا تتركوا المقاعد فارغة والمدينة فارغة، طرابلس تستحق أن يكون لمجلسها البلديّ مخططات تعيد تشكيل وجهها كعاصمةٍ ثانية للبنان يهنأ فيها الجميع ولا تلبس ثياب لا تليق بها أنّى أراد لها المغرِضون والمحرّضون والحاقدون ذلك.



