مجتمع وميديامحليات

قل لي من تنتخب أقل لك من أنت!

لبنان عربي – وحيد حمود

إنّه موسم الانتخابات، الرّياح الخمسينيّة الخضراء تعصف، زهر اللّيمون يفوح، سيّارات التاكسي “القطش” تدور بدخانها الرماديّ بحثًا عن راكب، “الراكب ب ١٠٠، وفتحة الباب ب٥٠”، أيادٍ شماليّة تخرج من الشبابيك، وأيادٍ يُمنى تضغط على الزمور “PiiiiP..PiiiiP”، وصوت فيروز يخرج من المذياع الصباحيّ “ليالي الشمال الحزينة…ضلّي اذكريني اذكريني”.
والنّهر امتلأ من جريانه على مبدأ “اعملوا منيح وكبّوا فيني”.
تُصاب المنطقة بعدوى جماعية اسمها “الحماسة الكذابة”.
فجأة، يتحوّل المواطن العاديّ إلى خبير في الشأن البلدي، وسائق التاكسي إلى محلّل استراتيجي، وبائع الخضار إلى فيلسوف دستوري.
لا مشكلة في العمل، بل في العامل نفسه، أمّا الجاهل، فيصبح أكثر الناس يقينًا بأنّه يعرف مَن يصلح للكرسيّ، لأنّه يحبّ أن يكون جزءًا منه  وغالبًا ما يكون “رِجل كرسيّ”.
تبدأ المهرجانات، تُلصَق صور المرشّحين على الحيطان الآيلة للسّقوط، وعلى أعمدة الكهرباء المتقاعدة من عملها، وعلى واجهات المحلّات التي يبرع أصحابها ب”كشّ الذباب”.
والكلّ يعد ويَعِد، هذا يريد أن يزرع الأرصفة ورداً، وآخر سيبني ملاعب وصالات ومسابح، مع أن شبكات الصرف الصحّي لا تميّز بين الشتاء والصيف، وآخر حَلَفَ في السّابق بأن يردم الجوَر، وكان قد احتفل منذ أيّامٍ خلت بعيد ميلاد الجورة التاسع، بل وكان يغنّي لها خلال هذه السّنوات “كبرت البنّوت كبرت ست الكلّ”.
المفارقة أنّ نصف هؤلاء المرشّحين سمعنا بفوزهم في السّابق، والآن عادوا ليذكّروننا بـ”ما خلّونا نشتغل”، من الذي “ما خلّاهم؟” لا أدري حقيقةً، ولكن ما أعرفه أنّ العتب على من “خلّاهم” يصلون ومَن رُبّما يعمل على أن “يخلّيهم” يصلون مرّةً ثانية. هؤلاء الذين لم يفرّقوا بين القرار البلدي ومواعيد جمع النّفايات.
لكن الكارثة ليست في المرشّحين فقط. الكارثة في الناس. فيك، وفِيّ، وفي الذي يقول: “شو فرقت؟ ما كلّن متلن، النّحس اللي بنعرفو أحسن من اللي بنتعرّف عليه”، لا يا عزيزي النّحس، لا يوجد في الانتخابات ضربة حظّ، ومن بنى قراراته على ضربة حظّ عاش حياته متقلّبًا كطابات اللوتو.
المشكلة في الناس الذين يبيعون صوتهم بصحن تبولة أخضر، أو يبدّلون مواقفهم مقابل غداء مدفوع، أو يختارون “الزلمة يلي بيجيب خدمات”… حتى لو كانت الخدمة حفرة إسفلت مغشوش، عمرها أسبوع وتتحوّل لبركة بطّ في باقي السنوات، المشكلة في الذين لم يزالوا يجهلون مهام البلديّات، ويصفّقون شكرًا ومنّةً لمن أدّى ربع واجبه، بحجّة أنّه “خدوم وآدميّ”.
أيها الناخب الطيّب، لا تضحك على نفسك.
إذا انتخبت ابن خالك لأنه ابن خالك، فأنت تختار عشيرتك على حساب مدينتك، قبّل رأس خالتك واختر الكفاءة.
وإذا انتخبت “الزلمة المرتّب” لأنه لطيف على الواتساب، فأنت تستحق أن تغرق في النفايات إلى أن تذوب محبتك له في الشّوارع.
وإذا انتخبت صاحبك لأنه وعدك بوظيفة، فتذكّر: الوظائف لا تأتي من مختار أو عضو بلديّة، بل من وهم كبير اسمه “الواسطة”.
قل لي من تنتخب، أقل لك من أنت.
إن انتخبت لصالح البلد، فأنت مواطن.
وإن انتخبت لصالح جيبتك، فأنت زبون.
وإن انتخبت لصالح دعايةٍ انتخابيّة حماسيّة فأنت “عَرَبة دَفش”.
وإن انتخبت لأنك تابع، فأنت مجرد “رقم”، لا أكثر.
فاحجُز مقعدك كمواطن واعٍ، ناضج، محاسِب ولا تنجرّ إلى العواطف.
الصناديق لا تفرز مرشّحين فقط.
الصناديق تفرز وعي شعب.
وكل مرة نصوّت فيها بالغلط، نأخذ قرضًا جديدًا من الفساد… ونسدّده من مستقبل أولادنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى