لبنان عربي – مصطفى العويك
منذ خضنا الإنتخابات النيابية الأخيرة على لائحة التغيير في طرابلس، ونحن نردد بأنه لا يمكن استنهاض المدينة إلا بعمل سياسي حزبي ومباشر، يكسر كل الخطوط الحمراء التي رسمها أهل الساسة التقليديين، ويمنح الشباب المساحة الحرة التي تتيح لهم التعبير عن وجودهم وأفكارهم وطروحاتهم تجاه المدينة، ويدخلها عصراً جديداً يشبهها وينسجم مع نسيجها وتاريخها، ويواكب المتغيرات من حولها.
فلا يمكن إستعادة دور الفيحاء مثلاً بذات الأشخاص الذين أفقدوها إياه أو كانوا عاملاً رئيساً في تدهور أوضاعها على كافة المستويات، وبالوقت عينه لا يمكن الحديث عن ضرورة إحداث التحولات إنطلاقاً من عشوائية طاغية وفردية مستميتة في الحضور، فلا بد من تأصيل وتأطير للموضوع، وذلك يكون بضخ دم حزبي سياسي جديد في المدينة.
ودون تحقيق هذا الأمر عقبات عدة، منها ما هو موضوعي ومالي وإجتماعي-سياسي، مرتبط بكون أهل المدينة بحكم مدنيتهم المفرطة وبرجوازيتهم التاريخية، يستنكفون عن العمل السياسي المؤدلج ولو إتخذ طابعاً حداثوياً، وتاريخ المدينة يشير إلى أنها لم تشهد خلال مئة عام تأسيس سوى حزب أو إثنين فقط، وطغى على العمل الحزبي فيها الشخصنة والفردية اللتان تتظللان بالعائلات، رافق ذلك حضور ناشط للحركات ذات الطابع الإسلامي بشكل كبير نظراً للطبيعة التكوينية للمدينة، وكان كل منها له توجهه السياسي الخاص، لكنه لم يقدم عملاً سياسياً حزبياً كاملاً، بل كانت السياسة جزء من عمله وليست شغله الشاغل.
كما إن التجارب الحزبية المدنية، خاصة تجربة تيار المستقبل، قدّمت آداء سياسياً وتنظيمياً أشبه للزبائنية والمحاصصة والصفقات وتسويد الفاسد، بالإضافة إلى فشلها في تقديم عمل حزبي مؤسساتي، وسادها المفهوم الزعاماتي التقليدي، واخُتصر التيار بشخص رئيسه وأمينه العام، وبعض الشخصيات التي تحظى بالإحترام دون الفعالية السياسية، بالتالي لم تستولد قيادات سياسية بالمعنى الواسع للكلمة، وينطبق ذلك أيضا على تيار العزم الذي يرأسه الرئيس نجيب ميقاتي.
وكذلك كان لدخول “المال النيابي” على وجه الخصوص، الأثر الأكبر في تدمير الثقافة السياسية للغالبية، فليس المهم هوية المرشح ومشروعه وتاريخه وحضوره في الحقل العام، إنما الأهم كرمه في شراء الأصوات والذمم، بحيث باتت النيابة عبارة عن حقيبة مالية من يمتلكها يفوز بلقب سعادة النائب.
هذا الأمر أفسد ما تبقى من حياة سياسية في المدينة، ولدى أهل السنة في كل لبنان، وأحبط الكثيرين ممن تصدوا للشأن العام تحت عناوين سياسية واضحة لأن لا قدرة لهم على بلورة خطاباتهم وجعلها قابلة للتطبيق في ظل وجود بلدوزرات مالية بوجههم، ودولة عميقة تحفظ لهم مصالحهم السلطوية.
والمدينة التي لا سياسة فيها ولا حزبية فيها، أنّى يكون فيها قيادات سياسية يمكنها أن تأخذ على عاتقها التصدي للشأن العام، وكيف لحياتها السياسية والمدنية أن تنتظم ويتقدم الصفوف الأكفأ وصاحب التجربة والخبرة والرؤية؟
وهذا ما تعانيه فعلاً اليوم الفيحاء في الانتخابات البلدية، بحيث تخاض الإنتخابات وفقاً للقاعدة اللبنانية المألوفة “تجميع الموزاييك”، لا رؤية موحدة ولا مشروع واضح المعالم، في اللائحة الواحدة مشاريع متنوعة وخلفيات متعددة ومشارب ثقافية وسياسية عجيبة غريبة، والكل يريد صالح طرابلس وخيرها العام.
السياسييون التلقيديون رفعوا أيديهم عن المشاركة في الإنتخابات البلدية، ترشيحاً وتمويلاً ومكنات إنتخابية، ونواب ينتظرون بعضهم البعض، تُرشح فلان للرئاسة أرشح علان، وآخرون يتطلعون إلى البلدية من زاوية الإنتخابات النيابية المقبلة فلا ينغمسون حتى لا يفقدون الأصوات من هذه العائلة وتلك، والمجتمع المدني يحاول لكن محاولاته عاجزة وقاصرة، ولذلك فإن اللواح كثيرة ولو كان هناك تنظيمات ترعى هذه اللوائح لقلنا إنها ظاهرة إيجابية، لكن للأسف السمة البارزة هي العشوائية واستسهال التقدم دون علم ودراية.
السنّة على وجه التحديد في طرابلس وبيروت وكل لبنان، يريدون أحزاباً سياسية جديدة بمفهوم العام 2025، أحزاب عابرة للمناطق والطوائف ومنطق المحاصصات، تطبق معايير الشفافية والحوكمة، وإعطاء الشباب الدور الأبرز والأهم إنطلاقاً من تثقيفهم أولاً وصولاً إلى تسلمهم مقاليد السلطات… فهل يمكن تحقيق ذلك؟



