الرئيسيةرأي

عشرون عاماً بلا رفيق الحريري… ماذا يقول لسعد؟

لبنان عربي- مصطفى العويك 

مضت السنون سريعاً، لكن الذاكرة تعاند، تجدّف قليلاً نحو الغد لكنها سرعان ما تعود الى برّ الأمان الذي أحاطها به رفيق الحريري.

الرجل الذي حررنا بدمه وسجنتنا مظلوميته، وصرنا رهائن الخوف وضحايا الفقد، الذي انتصب كسهم غُرس في أكبادنا، وأحالنا يتامى السياسة والمرجعية والفعالية الوطنية.

لا زالت الحُفرة التي قضى فيها دليلنا الى حقدهم، والزجاج المتناثر في شوارع بيروت حجتنا عليهم، ودماء الشهداء البيّنة التي ادعينا بها أمام محكمة السماء بعد ان ماطلت محكمة الأرض بالعدالة، ومضغتها ليسهل هضمها حرصاً على وحدة وطنية مدّعاة، وسلم أهلي ممسوخ على شاكلة من يسعى اليه بهتاناً وزوراً.

ولا زلنا نسأل أنفسنا: لماذا بعد عشرين سنة ونحن نستذكر رفيق الحريري ونمدحه؟ لماذا نستعيد الأموات في زمن يسرع الخطى نحو الأمام ولا مكان فيه للتذكر والاستعادة انما جل وقته يمضيه في الابتكار والتجربة.

اذا عُرف السبب بطل العجب

عشرون عاماً ونحن نبحث عنه في كل مسألة خلافية نعجز عن حلها، في كل أزمة سياسية واقتصادية تعطّل البلاد لسنوات دون أن يسأل أحد أو يهتم أو يبادر، في كل اشتباك غير اخلاقي مع الدول العربية الشقيقة، عند كل منعطف اقليمي وحرب اسرائيلية مدمرة، وغزوات داخلية وعقوق وطني وانتحار طائفي.

لم تنتج لنا السنوات العشرين، تجارب قابلة للحياة، شخصيات واحزاب تسد الفراغ الكبير الذي تركه برحيله، بل كان الحي دائماً بينهم وكانوا جميعهم أمواتاً…

يخاطبهم من وسط بيروت قائلاً: ماذا تفعلون؟ وكيف تتصرفون؟ ولماذا الوطن تذبحون؟ وهو لا يخاطب عائلته او تياره او اصحابه، بل يوجه لومه وعتابه لكل من تقلّد المسؤوليات فلم يكن مسؤولاً ولا حريصاً ولا أميناً ولا وفياً.

ويسأل وريثه سعد الذي احببناه وناصرناه وما سرقناه، ماذا فعلت يا أبا حسام؟ أين من علمتهم وعلموني، من احببتهم واحبوني؟

أعلم ان السياسة لا تبنى بالعلم والحب وحدهما، لكن لا شيء سواهما يجب ان يطغى عليهما، والسارق يسقيك من طرف الحديث حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلب، فاسمع للأمين وليسمع الخائن منك، فإنك تظفر بالأول وتخسر بالثاني، وعليك بأهل الدواة والقلم، فهم دعامة الدولة والعِلم، قرّب بعيدهم وعزّز أرجحهم رأياً وأصوبهم فكرة، وتجنب مقاولهم.

ويؤكد له: “متى عدت عن تعليق عملك السياسي، ستجد من يحبك حقاً الى جانبك ومن ارتبطت مصالحه بك الى يمينك أيضاً، لكن احذر ان تعيد الكرّة مرة أخرى، فالزعامة المستمرة تحتاج باطنة مستقرة على الحق مداومة على النصح مبتغاها المصلحة العامة التي تحميك وتقيك شر الزاوريب الضيقة وما اكثرها في لبنان”.

تعود والعدالة الالهية قد أنصفتني، وذلّ كل من تسبب لي بالعرق في ذلك اليوم المشؤوم في دمشق، فلا تمعن في التاريخ ضرباً ولا حفراً، فالسياسة ان تأخذ بيد ناسك الى المستقبل لا ان تجعلهم رهينة الماضي…

لا حلفاء لك اليوم الا شعبك، ولا مشروعية لك الا بهم وبما تحققه من انجازات، فكن من الفاعيلن لا من القوّالين.

فقد استمعت لكثير من الشكاوى عنك وعليك ومن يحيط بك، فوجدتها أغلبها تدور حول وعود لم تنفذ ومبادرات جريئة هي أقرب للمغامرات، وناسك لا تقوى على ذلك،

والمبادرة الناجحة تحتاج سائقاً ماهراً خَبِر الطريق فما ضلّ عنها ولا زاغ، والطرق اللبنانية وعرة، جورها عميق ومطباتها عالية، فاستعن بخبراء الطرق السياسية في لبنان، فمن عرف الضرر تجنبه، وابتعد عن الشبهات ما قلّ منها وما كثر، واياك والسمسرات والصفقات، فإنها في السياسة كالحالقة، لا تُبقي لك مؤيداً حقاً ولا مناصراً صدقاً.

عشرون عاماً ولبنان يحتاج لرفيق الحريري أكثر، وكل طائفة ومنطقة ومدينة تحتاج لشخصية كرفيق الحريري، وكأننا اليوم نخرج بطائف جديد، الغرب معنا والعرب بيننا ولكن ليس فينا رفيق… كلهم أموات وهو الحي بيننا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى