
لبنان عربي – مصطفى العويك
هي المرة الأولى في حياتي التي أزور فيها العاصمة السورية، دمشق.
كل شيء هنا ينبيك أن تحولا كبيرا طرأ على المدينة، صور عملاقة لرئيس خاف الخوف منه، ممزقة يدوسها المارة بكل فخر، كأنهم يؤدون واجباً اخلاقياً امتنعوا عنه لسنوات، بقايا حيوات لجوامد استنزفتها السنين تلملم ذكرياتها لتحرقها وتنغمس في الزمن السوري الجديد.
في منتصف ساحة الأمويين وتحت السيف التاريخي الشهير، ينتصب شيخ ستيني ببنطال قماش أسود، وكنزة صوفية زرقاء وضع فوقها سترة كحلية محلية الصنع، يصرخ باكياً: ” الشاب المقعد تحرر من كرسيه المتنقل وراح يركض، ابنة جارتنا المتزوجة من عشرين سنة ولم يكتب لها انجاب ولد، هي حامل الآن في شهرها الخامس، صوتي الذي نسيته مذ وعيت على الدنيا اكتشفت اليوم انه يصلح للغناء”، ليغني بعدها:” سوريا بعد الأسد فرح الى الأبد”.
انه الفرح، يعيد صناعة الانسان السوري من جديد، يطوي له خمسون عاما من الكآبة والقتل والتعذيب والتشريد والتهجير، ليعيد تشكيله بقوالب من أمل مفتوحة الى السماء وآفاق لا تعرف الحدود.
نكزني الزميل خالد الذي رافقني لالتقاط الصور، بان الوقت يداهمنا وعلينا ان نكون في قصر الشعب عند الساعة الواحدة ظهرا… أجبته: ” صدقاً يا خالد هنا الشعب وقصره وهنا على أعين السماء تولد دمشق، على أيد أمهر الأطباء الذين تفوق خبرتهم نصف قرن، وتغتسل بماء بردى الذي صار أكثر نقاوة وضياء بفعل اختلاطه بدماء الشهداء المظلومين، وتتعطر بعد ذلك برائحة الأمل الذي أطلق حصانه ابراهيم القاشوش، وأطعم جوعه، اقداما وشجاعة عبد الباسط الساروت، ورعت تحولاته “المجزرة” التي ارتكبت بحق جسد حمزة الخطيب..
سنعود الى الساحة مرة ثانية، قال خالد وأسرعنا لاستدراك الوقت نحو قصر الشعب..

الداخلون كثر، محليون واقليميون وغربيون، بعضهم جاء مستطلعاً، وآخر ناصحاً وثالث متوجسا يطلب التوضحيات اللازمة، أقرّ يقيناً بما سمع وشاهد، لكنه يريد لقلبه أن يطمئن.
في الطريق الى بوابة القصر، تخاطبك الأزهار فرحة: ” اهلا بك في قصر الشعب السوري، الأسد هرب من هنا وأخجلنا، والشرع في الداخل يعلن ويؤكد مشروعية الثورة وانتصارها، فادخلوا بسلام آمنين”، وعلى يسارك تنشد لك نافورة المياه التي تتوسط الساحة الأمامية للقصر، بعضا من أبيات قصيدة “قفي دمشق” للشاعر السعودي موفق الدليمي:
“الله أكبر جاء الفتح و انتصروا
مسيرة الفوج كرار و فـــرار
مضى الذليل بقيد الذل منكسرا
هو السجين وأهل العز أحرار
مضى هوانا وأهل الارض تشهده
كأنه علم في رأسه عار”.
فتدخل مشحوناً بطاقات من التعظيم والتمجيد، وكأنك صاحب الفتح وملهمه.
يستقبلنا على الباب شاب عشريني ذو لحية خفيفة سوداء داكنة، يرتدي بدلة رسمية على الطراز الفرنسي، يرحب بنا بلطف، بدا انه غريب عن جدران القصر، الذي حتى الآن لم يستوعب ماذا حدث فيه وله، يدخلنا غرفة جانبية ويستأذنا بالانتظار لدقائق..
يعود مسرعاً بعبارة: “تفضلوا تفضلوا من هنا، لدينا تعليمات واضحة بأن لا نؤخر أحدا من الضيوف حتى لا نسمح لذاكرتهم بالسفر نحو الماضي واسترجاع شريط الأحداث الذي كان يفرض عليهم، سنصدر قرارا يمنع السفر نحو الماضي”، يقول مبتسما فنبادله الابتسامة ونزيد: ” ضروري جداً، ان شاءالله”.
- نص متخيّل



