الرئيسيةثقافة

أسباب القتال عند البشر*

لبنان عربي – م. عزام حدبا

 

أسباب القتال

نجد في طبيعة الإنسان ثلاثة أسباب رئيسية للقتال. أولاً، المنافسة والهدف فيها هو الربح؛ ثانياً، الخوف والهدف فيه هو الحماية؛ ثالثاً، المجد والهدف فيه هو السمعة.

في حالة المنافسة يستخدم الإنسان العنف للسيطرة على الرجال الآخرين وزوجاتهم وماشيتهم؛ وفي حالة الخوف يستخدمه للدفاع عنهم؛ وفي حالة المجد يستخدمه للحصول على التقدير ولو كان سطحيا.

1- المنافسة
إن المنافسة هي نتيجة حتمية لملاحقة الناس لمصالحها. إن العناصر التي تتمكن من إبعاد منافسيها عن الموارد المحدودة مثل الغذاء والماء والأراضي المرغوبة سوف تتفوق عليهم وفق نظرية البقاء للأصلح.

2- الخوف
السبب الثاني هو نتيجة للأول: فالمنافسة تولد الخوف. فإذا كان لديك سبب للاشتباه في أن جارك يميل إلى إقصائك من المنافسة بقتلك، فإنك سوف تميل إلى حماية نفسك بالقضاء عليه أولاً في ضربة استباقية. وقد تتعرض لهذا الإغراء حتى لو لم تكن مؤذيا طالما أنك لست على استعداد لقبول الهزيمة.

إن المأساة هنا أن منافسك لديه كل الأسباب التي تدفعه إلى تكرار نفس الحسابات، حتى ولو كان من النوع الذي لا يؤذي ذبابة. بل حتى لو علم أنك لا تملك أية نوايا عدوانية تجاهه في البداية، فقد يخشى أن تغريك فكرة تحييده خوفاً من أن يقوم بتحييدك أولاً، وهو ما يعطيك الحافز لتحييده قبل ذلك.

فخ هوبز ومعضلة الأمن
يضرب لنا عالم السياسة توماس شيلينج مثالاً بمالك منزل مسلح يفاجئ لصاً مسلحاً، فينجذب كل منهما إلى إطلاق النار على الآخر لتجنب إطلاق النار عليه أولاً.

ويطلق على هذه المفارقة أحياناً اسم فخ هوبز، أو في مجال العلاقات الدولية معضلة الأمن. فكيف يستطيع الأذكياء أن يخلصوا أنفسهم من فخ هوبز؟

إن الطريقة الأكثر وضوحاً تتمثل في اتباع سياسة الردع: لا تضرب أولاً؛ كن قوياً بما يكفي للنجاة من الضربة الأولى؛ وانتقم من أي معتدٍ.

إن سياسة الردع قادرة على إزالة الحافز لدى منافسك لغزو بلدك من أجل تحقيق مكاسب، لأن التكلفة التي ستفرض عليه من شأنها أن تلغي الغنائم المتوقعة. كما أنها قادرة على إزالة حافز مهاجمته لأن الردع يقلل من الحاجة إلى الضربة الاستباقية.

مصداقية التهديد بالرد

ولكن مفتاح سياسة الردع هو مصداقية التهديد بالرد. فإذا تصور خصمك أنك معرض للإبادة في ضربة أولى، فلن يكون لديه سبب للخوف من الانتقام.

وإذا تصور أنك بمجرد تعرضك للهجوم قد تمتنع عن الانتقام لأسباب أخلاقية فقد يستغل هذا العقلانية ويهاجمك. ولن تكون سياسة الردع التي تنتهجها ذات مصداقية إلا إذا كنت ملتزماً بدحض أي شك في الضعف، والانتقام من كل التجاوزات وتسوية كل الحسابات.

وتُعرَف سياسة الردع أيضاً باسم توازن الرعب، وخلال الحرب الباردة كانت تسمى “التدمير المتبادل المؤكد”. إن أي سلام قد تعد به سياسة الردع يظل هشاً، لأن الردع لا يقلل من العنف إلا من خلال التهديد بالعنف.

ويتعين على كل جانب أن يتفاعل مع أي إشارة تهديد بإظهار عنيف للشجاعة، وعندئذ قد يؤدي أي عمل من أعمال العنف إلى عمل آخر في حلقة لا نهاية لها من الانتقام.

ذلك أن إحدى السمات التصميمية الرئيسية في الطبيعة البشرية، هي التحيزات التي تخدم مصالحها الذاتية، فقد تجعل كل جانب يعتقد أن عنفه كان عملاً انتقامياً مبرراً في حين كان عنف الخصم عملاً عدوانياً غير مبرر.

نظرية ليفياثان

يمثل ليفياثان إرادة الشعب ويملك احتكار استخدام القوة. ومن خلال فرض العقوبات على المعتدين، يستطيع أن يقضي على دوافعهم للعدوان، ويبدد بالتالي المخاوف بشأن الهجوم الوقائي.

ولأنه طرف ثالث غير مهتم، فإنه لا ينحاز إلى الشوفينية التي تجعل كل جانب يعتقد أن خصمه لديه قلب مظلم بينما قلبه نقي مثل الثلج.

في كل عمل من أعمال العنف، هناك ثلاثة أطراف مهتمة: المعتدي، والضحية، والمتفرج. ولكل منهم دافع للعنف: المعتدي لافتراس الضحية، والضحية للانتقام، والمتفرج لتقليل الأضرار الجانبية الناجمة عن قتالهم.

ويمكننا أن نسمي العنف بين المتقاتلين حرباً؛ ويمكننا أن نسمي العنف الذي يمارسه المتفرج ضد المتقاتلين قانوناً. إن نظرية ليفياثان، باختصار، هي أن القانون أفضل من الحرب.

* مقتبس من كتاب “الملائكة الأفضل لطبيعتنا البشريّة: لماذا انخفض العنف” – ستيفن بينكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى