الرئيسيةرأيمجتمع وميديا

تاجر الأزمات

لبنان عربي – وحيد حمود

عينان جاحظتان، تكاد كلّ منهما ملامسة الجيوب الأنفيّة، والتمحيص في “الجيوب” البشريّة، رموشٌ لا ترفرف دون جدوى، فالرفرفة طاقة، والطاقة مكلفة، جعظريٌّ جوّاظ، في حديثه فظاظة وفي صوته غلاظة، لا تملأ عينه الخريفيّة كلّ الأوراق الخضراء، وكلّ ما تلمسه يده ينقلب إلى صحراء، هل عرفتموه؟

ينزف الوطن، فيُبكي الآلاف، ولكلّ جرحٍ طابعه الخاصّ، لكنّ الإنسانيّة تجمع الجميع، فمن لا يشعر بجرح غيره ليس بإنسان، من لا يبكي لمشهد حجارةٍ تكوّمت فوق جسد طفلٍ فكسّرت عظامه وشوّهت وجه البراءة فيه ليس بإنسان.

شهداءٌ، جرحى، مشرّدون، مشتّتون، خائفون، كلٌّ في وطنٍ واحد وتحت سماءٍ واحدة، والوقت سفّاحٌ ينتظر المزيد.

إنّها الحرب، حلّت في ديار وطننا، لا مظلّة فوق رأس أحد، فالعدوّ المتعطّش للدماء لا ينظر لطائفةٍ، أو لعمرٍ أو لمنطقة، جميعنا في مرمى النيران، لأنّ الهدف الأسمى هو قتل الإنسان.

في الوطن أناسٌ شرفاء، يعيشون السكينة وتملأ حياتهم الطمأنينة، يعرفون الله والله يعرفهم، يحضنون الموجوع ويمسحون على وجه كلّ خائف، يقسمون كسرة الخبز وشربة الماء، يقتسمون الحياة بكلّ ما فيها مع إخوتهم في الإنسانيّة دون آبهين بالغيب، فالرزق على الله والبركة تحلّ في كلّ بيتٍ يعرف الله.

أمّا الذي أكتب عنه، ذاك الجعظريّ الجواظّ، الواقف على الحياد، المقامر بالألم، يرى في كلّ جرحٍ فرصةً لينهش المزيد من المال، لا يعرف من الحياة سوى تكديس المال.

تراه يضع رقم هاتفه مناديًا المتألمّين أن تعالوا إليّ، يرفع أجرة المأوى لعشرين ضعف، يجعل من الحرب قسيمة شراء لخساسةٍ ونذالةٍ وحقارة، يرى المتأوّهين المكلومين مشاريع استعماريّة في أرض جشعه وطمعه فيسحق ما تبقّى لديهم من مال ليأويهم.

الذي أكتب عنه هو ذلك الذي يقامر بالأرزّ والعدس، الذي يخفي الزيت ويخبّئ السكّر، الذي يغطّي وجه الطحين أيّاما وأيّام بانتظار أن يسلخ جلد الموجوعين، غير آبهٍ بأحزانهم، غير مكترثٍ بجراحهم، لا يعرف من الدنيا غير جمع المال ولا يرى في المعدة الخاوية إلّا مشروع سيطرة على ما في الجيوب.

الذي أكتب عنه هو المتآمر على المحروقات، ذاك الذي يخنق عنق خراطيم البنزين والمازوت ليخلط الزيت بالماء، فتزيد الأموال بين يديه عبر احتكارٍ ممزوجٍ باحتقار.

الذي أكتب عنه هو ذاك الذي يلوي اليد المهشّمة الممتدّة عبر الحريق إليه ليبيعها الدواء بأعلى الأسعار، فيزيد الحروق حرقا ويزيد الجروح خرقا، إنّه لا يعرف الله، لكنّ الله يعرفه ويلعنه.

أيها الشرفاء في كلّ بقاع الأرض في وطني، لا تسمحوا للقلّة المتغطرسة من تلطيخ وجه الإنسانيّة في هذا الوطن المنكوب والمجروح، فمن استغلّ وجع أخيه ناله الوجع ولو بعد حين، إنّنا بوجه خنزيرٍ لا يرحم، لا يفقه لغة البشر، إمّا أن نقف بوجهه وإمّا أن نكون لقمةً سائغة واحدًا تلوَ الآخر.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى