
لبنان عربي – أحمد عبد القادر
من قلب مكة المكرمة، أطهر بقاع الأرض عند المسلمين، وقبلتهم في صلواتهم، أصدر مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان بياناً مشتركاً مع مفتي المناطق في 31 تموز الماضي دانوا فيه “الجريمة النكراء التي أدت الى استشهاد الرئيس إسماعيل هنية رحمه الله زماناً ومكاناً”، وكذلك قصف ضاحية بيروت الجنوبية الذي وصفوه بـ”العمل الإرهابي الوحشي والجبان”.
وأكدوا أن “الاعتداء الصهيوني على أي منطقة لبنانية هو اعتداء على جميع المناطق”.
ودعوا الى “ردع العدو الصهيوني الذي يمارس الإرهاب الموصوف وأبشع أنواع الإجرام ضد أهلنا في غزة وفلسطين”.
هذا البيان، بمصطلحاته ومضامينه ومعانيه، والمكان الذي صدر منه، لم يحظَ بالقدر اللازم من الاهتمام مع أنه يعد أقوى وأبرز موقف صادر عن السنة في لبنان منذ عملية “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأول 2023.
وفي الوقت عينه، فإنه يدحض تماماً كل ما قيل عن الدعوة التي تلقاها المفتين لزيارة السعودية، وأن قيادة المملكة ستضغط عليهم للتخفيف من سقف مواقفهم، بل وحتى نسيان القضية الفلسطينية.
موقف متقدم على حلفاء الحزب
ينفرد الموقف الصادر عن المفتين بكونه موقفاً سنياً جامعاً لكل رجال الدين السنة من شبعا الى عكار، في الوقت الذي لم يصدر فيه أي موقف سياسي يمثل كتلاً نيابية أو تجمعات سياسية سنية إزاء التطورات الأخيرة، بل اقتصر على الأمر على مواقف فردية لبعض النواب، في حين غاب الباقون بشكل يعكس وكأن السنة غير معنيين بكل ما يحصل.
كما أن موقف المفتين ينفرد بكونه موقفاً متقدماً على كل الأحزاب والقوى السياسية والمؤسسات الدينية والمجتمعية، ولا سيما تلك المتحالفة مع حزب الله.
والحال أن هذا الموقف يمثل استمراراً لثوابت لدار الفتوى، والتزامها التاريخي بالقضية الفلسطينية، والذي لم يتغير بتعاقب الأزمنة، وتبدل هويات المقاومين السياسية والدينية.
فعلاوة على أنها تمثل الجرح الأكبر في تاريخ السنة المعاصر، ترتبط القضية الفلسطينية ارتباطاً وثيقاً بالعقيدة الدينية للمسلمين، وبالتالي لا يسع المؤسسة الدينية تجاهلها أو تهميشها في أي وقت من الأوقات. بيد أن هذا الالتزام لا يعني أبداً الانجراف خلف الأمزجة والمشاريع السياسية لفريق أو محور سياسي معين.
وفي ظل كل الضغوطات التي تتعرض لها المؤسسة الدينية لاتخاذ مواقف معينة إزاء القضية الفلسطينية، تتبدى حكمة مفتي الجمهورية عبد اللطيف دريان، وقدرته في الحفاظ على التوازن المطلوب بين حماسة بعض المشايخ واندفاعهم، لتأثرهم بما يحصل، وبين ما يمليه عليه الإرث الذي تختزنه عمامة الإفتاء التي يرتديها، من الاعتدال والوسطية والمواقف التي تعبر عن صالح المسلمين بشكل عام وليس فئة منهم.
ذلك أن رجل الدين ليس شيخاً يجلس في المسجد وكأنه معتكف في صومعة، بل هو ابن مجتمعه يتأثر ويتفاعل معه، وفي الكثير من الأمكنة، ولا سيما في بعض الأرياف والأحياء المكتظة شبه المقفلة، يحتل رجل الدين مكانة اجتماعية بارزة.
ويلعب دور حلقة الوصل بين المجتمع ومؤسسات الدولة، حيث ينشط على خط إيصال مشاكل الناس وهمومها الى المراجع والدوائر المختصة من أجل إيجاد الحلول لها.
احتواء النار بالنار
من جانب آخر، صحيح أن دار الفتوى هي مؤسسة معاصرة نشأت غداة ولادة دولة لبنان الكبير، إلا أنها تعد امتداداً للمؤسسة الفقهية السنية التاريخية، ولا سيما الأزهر الشريف الذي تجاوز عمره الـ10 قرون، بنهجه الوسطي، وإرثه في تجنب الصدام مع مراكز السلطة قدر الإمكان، بالتوازي مع محاولة احتواء التيارات الفكرية والشعبية، وذلك من أجل الحؤول دون وقوع الفوضى الهدامة، وحقناً لدماء المسلمين التي أريق الكثير منها “على طريق السلطان”.
من خلال هذا النهج يمكن فهم موقف دار الفتوى منذ عملية “طوفان الأقصى” وخطاب المفتي دريان ومفتي المناطق، والذي يتطابق مع خطاب مؤسسة الأزهر، حيث كان الأخير سباقاً في دعم الشعب الفلسطيني، وتوجيه تحية إكبار الى “شهداء فلسطين الأبية الذي نالوا الشهادة في سبيل الدفاع عن وطنهم وأمتهم، وقضيتنا وقضيتهم، قضية شرفاء العالم القضية الفلسطينية”.
واستمر في إصدار المواقف والبيانات التي تدعم صمود الشعب الفلسطيني وحقه في مقاومة أطول احتلال في العصر الحديث.
هذا الخطاب هو الذي مكن دار الفتوى من استيعاب كل الضغوط الداخلية، واحتواء غضب الشارع وتفاعله مع ما يجري على أرض غزة، وحمايته من غلو بعض الأطراف، وحماسة بعض رجال الدين لاستغلال الحدث من أجل التحريض والمزايدة وتسجيل الأهداف السياسية في مرمى المؤسسة الدينية قبل غيرها.
إن التهديد الأبرز لدار الفتوى لا يتمثل بالتيارات العلمانية وجمعيات التحرر وحسب، بل في بعض التيارات الدينية والأحزاب الأيديولوجية التي سعت وما تزال الى شق وحدة الصف داخل المؤسسة الدينية بغية تقويض حضورها التاريخي، وفعالية عمامتها في حماية السنة من التصحر السياسي، تارة من خارجها عبر تأسيس كيانات رمت الى سحب بساط الشرعية السنية من تحت دار الفتوى، وأطواراً من داخلها من خلال مغازلة طموحات بعض الأشخاص والجماعات.
دار السنة والوطن
غداة انسحاب الرئيس سعد الحريري من العمل السياسي، تركز الاهتمام على دار الفتوى لقدرتها على تظهير موقف سني جامع ووطني، ولا سيما عقب الخطبة التاريخية للمفتي دريان على تخوم الانتخابات النيابية، والتي نجحت في كسر حدة المقاطعة السنية للانتخابات النيابية، وتأكيده على الوقوف على مسافة واحدة من الجميع.
مذاك سلط حزب الله مدافعه الإعلامية على دار الفتوى، خصوصاً بعدما أفضت نتائج الانتخابات الى تشرذم النواب السنة، وعجزهم عن إنتاج مشروع أو كيان سياسي يمكنه إحداث تأثير جدي في مسار العملية السياسية.
ومع ذلك، فإن مفتي الجمهورية حرص على استيعاب كل الحملات وفتنها، والتأكيد على البعد الوطني لدار الفتوى في خطبه وبياناته، وتشريعه باب الدار أمام كل قاصد لها، لأنها دار لكل السنة ولجميع أبناء الوطن.
كان بإمكان المفتي دريان انتهاج خطاب ناري وصنع زعامة سياسية، إلا أنه أبى ذلك، وانطلق في تعامله مع دقة الموقف وحساسيته من اعتبار أن السنة كلهم أبناؤه على اختلاف هوياتهم السياسية، وأن السنة هم العمود الفقري للدولة الوطنية، وليسوا طائفة انعزالية متقوقعة على نفسها، بل هم جزء من أمة مترامية الأطراف.
وهذه هي بالضبط الثوابت التاريخية لدار الفتوى، فهي حينما تكون السلطة السياسية قوية تقف خلفها وتدعمها وتبذل لها النصح والإرشاد، وحينما تضعف تتقدم لمنع أصحاب المشاريع الفئوية والمتطرفة من استغلال الفراغ وهوامشه من أجل حرف السنة عن مسارهم التاريخي.
وهذا النهج بالذات هو الذي يدفع بالسعودية الى دعم دار الفتوى، فهي لا تدعم أشخاصاً بعينهم، بل مؤسسة حيوية لعبت أدواراً بارزة، سياسية وثقافية وفكرية واجتماعية، وحتى اقتصادية.
من التفتت السياسي التاريخي للسنة، وسعي البعض الى إلغاء حضورهم السياسي بالكامل، الى القضية الفلسطينية، وما بينهما من ملفات ساخنة، يغدو المفتي عبد اللطيف دريان كمن يقبض على الجمر، يزن كل موقف بعقل العالم، وإيمان العارف، وميزان الصائغ، وخبرات السنين في الوعظ وتهذيب النفوس، فيستحيل الجمر بين يديه رماداً.



