
خاص – لبنان عربي
لا تكاد تتوقف الشكاوى من مولدات الاشتراكات الكهربائية وأصحابها في مدينة طرابلس. حجم الامتعاض الشعبي في المدينة من سلوكيات أرباب هذا القطاع يفوق أي مدينة أخرى على الإطلاق. وفي الأيام الأخيرة، اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي موجة مقارنات بين أسعار الاشتراكات في طرابلس، وبينها وبين تلك التي في المناطق المحيطة وحتى في العاصمة بيروت.
وكشفت هذه المقارنات عن حجم الهوة في الأسعار بين مولد وآخر قد يكون في الحي نفسه، وبينها وبين الأسعار في المدن الأخرى، من ناحية الغلاء الفاحش في تسعير الإمبير أو الكيلو وات ساعة، بما يتجاوز الأسعار الرسمية بكثير، ويجعلها أقرب الى الخوة التي لا مناص أمام المواطنين من دفعها.
أغلى تسعيرة في مدينة الفقراء
يتساءل بعدد من المراقبين كيف يمكن وجود فرق في السعر في الامبير الواحد يصل الى قرابة 10 دولارات ضمن الحي نفسه، ما بين مولد يسعر الامبير بـ30 دولار، وثانٍ بـ20 دولار. أليست التكلفة هي نفسها بالنسبة لكليهما؟ وأسعار المحروقات هي نفسها؟ وبالتالي فإن الفارق يعكس حجم طمع وجشع بعض أصحاب المولدات، على حساب أهلهم وناسهم ومجتمعهم الذي ينتمون اليه.
ناهيكم عن أن السعرين في الأساس أعلى من المناطق المحيطة، والتي تعاني من الظروف المعيشية نفسها، ومعدل الرواتب فيها مماثل لطرابلس، الأمر الذي يضع الكثير من علامات الاستفهام حول ما يحصل في مدينة توصف بأنها “أم الفقير”.
امكانيات مالية
الى ذلك، يكشف بعض المراقبين عن تحول أصحاب المولدات الى مجموعة من التكتلات الضخمة التي تتمتع بإمكانيات مالية هائلة، تتيح لها السيطرة على مقاليد الأمور في مدينة طرابلس، حيث أصبحت هذه التكتلات بمثابة “الآمر والناهي” على حساب السلطات الرسمية والمؤسسات الأمنية، ونواب المدينة وساستها، وصار لهؤلاء دور كبير في توجيه الرأي العام، عبر وسائل وأدوات يمولونها سراً أو جهراً.
وهو ما أدى الى حصول العديد من الإشكالات الدموية والمعارك الصغيرة بين هذه التكتلات، ضمن صراعها للتوسع والسيطرة، ومحاولة اللاعبين القدامى منع دخول لاعبين جدد الى الميدان، لعدم مشاركتهم في المغانم. ومع ذلك، فإن أصحاب المولدات سرعان ما يتوحدون للحفاظ على سطوتهم وحماية مصالحهم عندما يستشعرون أي خطر عليها.
استهتار بالسياسيين والأمنيين
وينقل مراقبون عن ألسنة بعض كبار أصحاب المولدات استهتارهم بقادة الأجهزة الأمنية وضباطها، بعد أن كانوا يحسبون لهم ألف حساب، واللغة الفوقية التي يتحدثون بها عن ضباط بارزين، وهذا عائد الى ان هؤلاء صاروا يدفعون أموالاً لدعم الأجهزة الأمنية وبعض ضباطها في ظل تدهور قيمة الرواتب.
كما يكشف مراقبون عن تذمر بعض نواب المدينة البارزين من لوبي أصحاب المولدات ونفوذه، الى درجة أن بعضهم لم يعد يجيب على اتصالات سياسيين بارزين طرابلس، بما يعكس حجم التحولات التي تعيشها المدينة، وتأثيرات تصدر هذه الشريحة على المجتمع، من ناحية انتشار ثقافة التخاطب بالسلاح بين أبناء المدينة الواحدة والحي والواحد والعائلة الواحدة، وتمدد الغوغائية كخطاب وأنماط سلوكية. من الأمثلة على ذلك، الحملة التي أطلقها النائب فيصل كرامي على المولدات وتسعيرتها المجحفة وتسلط أصحابها، دون أي نتيجة تذكر.
قرار جامع
بيد أن المراقبين يحملون ساسة طرابلس والأجهزة الأمنية المسؤولية عن تسلط أصحاب المولدات، لأنهم هم الذين يقدمون الحماية للبعض منهم في مواجهة البعض الآخر، دون الالتفات الى ان صعود نفوذ وتأثير هذه الطبقة سيأكل مع الوقت من رصيدهم، خصوصاً أن هذه الفئة ليس ليها أي اعتبارات أو حسابات، وتفتقر الى الحد الأدنى من الثقافة السياسية. وهناك الكثير بينهم ممن يستغل الفرصة للتخلص من معاناة سابقة مع الفقر والتهميش عبر الانتقام من الأثرياء والمثقفين، وحتى من الناس والطبقات الشعبية، ويعتبر أن الفرصة متاحة حالياً كي يصبح من صناع القرار في المدينة.
تكتلات المولدات في مدينة طرابلس بات التعامل مع نفوذها المتصاعد وتسلط أصحابها يستوجبان وجود قرار سياسي جامع وموحد، مدعوم من المؤسسات الأمنية والقضاء والمؤسسات الدينية، وإلا فإن العاقبة ستكون أسوأ بكثير في المستقبل.



