الرئيسيةثقافة

القهوة والثقافة.. القهوة والمقهى

عزام حدبا – لبنان عربي

ليس من قبيل المصادفة أن “القهوة” كمشروب، و”القهوة” كمكان، يتشاركان الاسم نفسه في معظم اللغات. فعلى عكس المشروبات الأخرى الشائعة في ذلك الوقت، كان من العسير تحضير القهوة في البيت. فحتى تتحول ثمرة القهوة لمشروب، عليها أن تمر بمراحل عدّة من تجفيف وتحميص وطحن، تحتاج لمعدّات خاصة لا تتوفر عند كل شخص. من ثم، نشأ المقهى ليحل تلك المشكلة. لكن ما بدأ كمكان مخصص لتناول مشروب رائج، سرعان ما تجاوز هذا الغرض البسيط بكثير.

المقاهي في العالم العربي

في الوقت الذي دخلت فيه المقاهي للعالم العربي، كان الفضاء العام مقتصرا على المساجد. فلتحريم الخمر، لم يكن يوجد في بلاد الإسلام حانات مثلما يوجد في بلاد الغرب، ومن ثم، كان المسجد المكان الوحيد تقريبًا الذي يتقابل فيه العامة ويتبادلون الحديث خارج نطاق البيت.

لكن المساجد في نهاية الأمر هي بقع مقدسة لا يستحب الحديث داخلها عن الشؤون اليومية. وهكذا جاء المقهى ليسد فراغا حقيقيا. فلقاء ثمن قليل، تستطيع الجلوس ومشاركة الأصدقاء الحديث لساعات طوال.

تحريم القهوة في العالم الإسلامي

انتشرت المقاهي في البلاد الإسلامية انتشارا فاق التوقعات. أقض هذا الانتشار مضاجع السُلطات. فمثلت كل تلك المقاهي بالنسبة إليهم بؤر لانتقاد الحُكام والتعبير عن الاستياء الشعبي الذي قد يتحول، على أسوأ تقدير، لانقلابات وثورات. من هنا، اتخذ السلاطين والحُكّام من الدين غطاء شرعيا يحرمون من خلاله احتساء القهوة، التي عدها بعد الفقهاء حرام كالخمر، ويوجبون إغلاق المقاهي، التي بدأت، بُعيد انتشارها بقليل، تاريخها مع المنع.

المقهى في أوروبا: فضاء ثقافي وسياسي

من العالم الإسلامي، سافر المقهى لأوروبا، وارتبط منذ بداياته بعوالم الثقافة والفكر. ففي أوكسفورد فتح أول مقهى في بريطانيا أبوابه، وصارت المقاهي بمثابة “جامعات رخيصة”. فلقاء قرش واحد، تستطيع الجلوس والتمتع بفنجان قهوة يصحبه نقاشات ثرية حول كل شيء في العالم.

صحيح أن المقاهي لم تكن أول حيز يشغل الفضاء العام في أوروبا، فقد سبقته الحانات بقرون، لكن عوضًا عن الأحاديث السطحية والهلوسات، جاء المقهى ليمثل مكانا تطفو فيه النقاشات الثرية بين عقول تزيدها حبوب القهوة يقظة. ومن ثم، كانت القهوة بمثابة مضاد للخمر، جاءت لتوقظ الأوروبيين من سكرتهم الطويلة.

القهوة والنهضة

كان تأثير انتشار القهوة في أوروبا في القرن السابع عشر قويًا للغاية، فحتى ذلك الوقت، كانت أكثر المشروبات انتشارًا، حتى على الفطور، هي الخمر والجعة. وأولئك الذين استبدلوا القهوة بالخمر بدأوا يومهم في يقظة ونشاط، وتخلصوا من حالة الارتخاء والسُكر، ومن ثم تحسن أدائهم في العمل كمًا وكيفًا. بدأت أوروبا الغربية حينئذ تستيقظ من حالة الثمالة التي سيطرت عليها لقرون.

وقد شجع على هذا الاعتقاد تزامن انتشار المقاهي في أوروبا مع عصر النهضة، التي لعبت المقهى فيه دورا كبيرا حيث كانت مكان لقاء المفكرين وجلوسهم المفضل. فقد اتخذ أدباء ومفكرون من المقاهي مكاتب لهم، كما مثلت المقاهي ساحات حرة بعيدة الانحياز الطبقي، فيمكن لأي شخص من أي خلفية كانت الجلوس فيها والتعرف على آخرين.

الدور السياسي للمقاهي

ولكن الأخطر من كل ذلك كان الدور السياسي الذي لعبته المقاهي. فقد كانت المقاهي إحدى أولى الأماكن التي بدأت الصحف توزع فيها بشكل دوري. وقد اعتاد رواد المقهى قراءة آخر الأخبار ومناقشتها مع بعضهم البعض، معبرين في أحيان ليست قليلة، عن سخطهم على السُلطات. وقد كان في مقهى دي فوي في باريس أن جلس الصحافي والمفكر السياسي كامي ديمولان يخطط لاقتحام الباستيل، واشعال الثورة الفرنسية التي غيرت تاريخ أوروبا والعالم.

المقاهي والفن

لعبت المقاهي أيضًا دورًا ليس بالصغير بالنسبة للفن، فنظرًا للحرية التي سادت مناخها، ولانتشار جمهور مثقف بها، كان المقهى بمثابة منبر فني لعرض أحدث الإبداعات، ومركز ثقافي للعواصم الأوروبية في القرن التاسع عشر. وليس أدل على ذلك من وقوع أول عرض سينمائي على الإطلاق في قبو مقهى الجراند كافيه بباريس، على يد الإخوين لوميير.

القهوة في أمريكا: منتج رأسمالي

لم يمر وقت طويل قبل أن تعبر القهوة المحيط الأطلسي وتصل لأمريكا، وهناك شهدت تغييرها الأعظم. ففي بلد الرأسمالية والحلول الاقتصادية، دأبت الشركات الضخمة على إيجاد طريقة تصبح بها القهوة سهلة التحضير، لا تحتاج معدات خاصة، ومن ثم يصير توزيعها وبيعها أسهل للأفراد.

صحيح أن الكثير من نكهة ورائحة القهوة كان يضيع في القهوة سريعة التحضير، لكنها ظلت حلا اقتصاديًا وسريعًا بالنسبة للكثيرين. ومن هنا، بدأ تضافر القهوة مع الحياة اليومية، فصارت مشروبًا تلجأ إليه كلما شعرت بالحاجة لليقظة في البيت، أو تأخذ عبر إعداده راحة قصيرة من الضغوط في العمل.

المقاهي في العصر الحديث

وبالرغم من انتشار القهوة سريعة التحضير انتشارًا واسعًا حول العالم، إلا أن هذا لم يسحب البساط من تحت المقهى كفضاء حر للقاء والحديث، ولا قلل من أهميتها بالنسبة للفنانين والمثقفين. فحول العالم، شرقًا وغربًا، ظل المثقفون يجلسون إلى المقاهي. وقد ظلت المقاهي في القرن العشرين تواكب تغيرات العالم السريعة، حتى صارت بمثابة مرآة وانعكاس لها.

ففي أواخر القرن بعد هيمنة العولمة الاقتصادية، وجدت سلاسل المقاهي الأمريكية، وعلى رأسها المقهى الشهير “ستاربكس”، طريقها لكل بقعة على وجه الأرض، وصارت تنافس المقاهي الشعبية والتقليدية. وفي أوائل القرن الحادي والعشرين جاءت مقاهي الانترنت لتوفر لك الدخول على الشبكة مع كوب قهوة لذيذ في آن معًا.

واليوم، مع دورها التقليدي الذي ظلت تلعبه كفضاء رحب للقاء الأصدقاء، باتت المقاهي تلعب دورًا جديدًا. فأمام الأعداد المتزايدة من الموظفين الذين يعملون عن بعد ويشعرون بالسأم من قضاء الوقت كله في المنزل، توفر المقاهي فرصة ممتازة للعمل من أجواء مغايرة أقل رتابة خارج نطاق البيت. لتثبت المقاهي يومًا بعد آخر أنها مساحة واسعة وفضاء رحب، على استعداد دائم أن يتكيف مع كافة التغيرات التي يجرها اختلاف الثقافة من بلد لبلد، ومن زمن لزمن.

*من كتاب “تأثير الفراشة أحداث غيرت التاريخ” م. عزام حدبا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى