
لبنان عربي – محليات
موجة الحنين إلى الحريرية التي افتعلها “حزب الله”، عبر ترويج مظلومية الرئيس سعد الحريري التي كان له بصمة كبرى فيها، واستحضار المواقف الوطنية للرئيس رفيق الحريري، رغم مسؤوليته عن اغتياله وتقويض إرثه، ليست تعبيرًا لحظيًا يتدثر بالحريرية لإحداث خرق في الغطاء الشعبي الداعم للرئيس نواف سلام، بل تعبر في جوهرها عن تقارب بين “المستقبل” و”الحزب” فرضته طبيعة التحولات، تعبد الطريق نحو تعميقه على طريق الانتخابات، من خلال تكثيف العاطفة لتجسير الفجوة بين الحاضنتين السنية والشيعية.
المنطق المؤسّس لهذا التقارب هو السعي إلى الحفاظ على موطئ قدم ضمن المعادلة الناشئة، وترميم رقعة النفوذ التي بدأت تذوي تحت مقصلة المتغيرات، ومواجهة نخب شبابية ومشاريع سياسية تتوثّب الفرصة المتاحة لإنتاج تمثيل سياسي أكثر قدرة على مواكبة التحولات الاستراتيجية والتكيف مع التوازنات التي تفرزها.
العداء للسعودية
بيد أن العامل الأمضى تأثيرًا في إنضاج التقارب هو العداء للسعودية ولسياستها في لبنان، حيث يعتبر “المستقبل” أنها تخلّت عنه سياسيًا وماليًا، وأشهرت في وجه ديمومة زعامته “فيتو” دفعه إلى ممارسة سياسة تأليب ناعمة في الشارع السني ضدّها، يمكن تلمّس أثارها في الأحاديث اليومية على طاولات المقاهي وفي الصالونات.
في المقابل، إذا كانت البنية العقائدية لـ “حزب الله” على طرف نقيض من المملكة، سواء حينما كانت ذات طابع محافظ أو بعدما صاغت رؤية عصرية تمزج التراث بمفاهيم الحداثة، وهو الذي قاد اعتداءً إرهابيًا على سفارتها في بيروت خلال سنواته الأولى، فإنه ينظر إليها اليوم على أنها رأس الحربة في دعم مشروع الدولة على حساب دويلته، والعمل على تفكيك البنى والتحالفات التي كان يوظّفها في العمق المجتمعي، بالارتكاز على إرث البعث الاستخباراتي في تصعيد جماعات الشارع لتهشيم قيم السياسة والقانون، خصوصاً عند السنة لإضعاف مشروعية أي تمثيل جدّي.
وإزاء ما يتداول عن دعم السعودية والفاعلين الخارجيين لنخب ومجموعات شيعية في الانتخابات المقبلة من أجل خرق هيمنة “الثنائي”، يجد “الحزب” أن الحل الأمثل لكسر دائرة العزلة التي تتمدّد هو إحداث خرق على الساحة السنية يوازن نظيره الشيعي. وهذا ما لم يعد متاحًا بعد انزياح حلفائه السابقين سوى من خلال تطوير تفاهم مع “المستقبل” لإنتاج تحالف “مكتوم” ينقذهما من الزوال المحتوم، خصوصًا أن الأخير لديه قناعة بأن هذه الانتخابات تشكل الفرصة الأخيرة للحفاظ على قاعدة نفوذ صارت واهنة، تعززّت أكثر على وقع الاحتضان الشعبي للرئيس نواف سلام وما يجسده من نموذج رجل الدولة الذي يقود معركة استرداد قرارها.
بين المعايير والموقوفين
يرتكز هذا التحالف على قواعد انتخابية صلبة، خصوصاً عند “الحزب”، يمكنها أن تساعد “المستقبل” في الحصول على كتلة نيابية فاعلة، حيث تكشف المصادر عن حصول اجتماعات بين قيادات رفيعة من التنظيمين خلال الأشهر الماضية للبحث في أسس التحالف، بدأت مع الحاج حسين الخليل، المعاون السياسي للسيد حسن نصر الله، وقناة التواصل الدائمة معه وحزبه. واستمرّت مع الحاج وفيق صفا، الذي التقى عدداً من مسؤولي “المستقبل” في الدوائر المشتركة لصياغة تفاهمات أولية، أدت إلى إيقاف مفاوضات مع شخصيات سنية كانت تنتمي إلى فريق “8 آذار” لإبرام تحالفات انتخابية.
وتبيّن المصادر أن هذه اللقاءات كانت بترتيب أحمد الحريري، الذي يدفع باتجاه خيار المشاركة في الانتخابات، ويضطلع بوضع معايير اختيار المرشحين السنة، وأبرزها الملاءة المالية، وعدم الخضوع للتأثير السعودي، ويدرس الترشّح في بيروت والاعتماد على قوة “الحزب” التجييرية التي أظهرها في الانتخابات البلدية.
كما تشير المصادر إلى أن رفع أحمد الحريري لمسألة “الموقوفين الإسلاميين” وما تختزنه من رمزية “المظلومية السنية” كان بالتفاهم مع “الحزب”، الذي وعد باستخدام نفوذه في المحكمة العسكرية لتسهيل الإفراج عن الكثير منهم، مع الموقوفين في أحداث خلدة، وتجيير تأثير هذه العملية لحساب المستقبل، ولا تستبعد إمكانية أن تشمل الفنان فضل شاكر لاستثمار شعبيته الهائلة.
يبتغي “الحزب” من خلال تحالف المتضررين هذا، دعم عودة الرئيس سعد الحريري إلى سدة رئاسة الحكومة، ليس قناعة بسياساته، بل لمزج حسابات الأخير السياسية والزعامتية المركبة بصبره الاستراتيجي، للحفاظ على هامش مناورة محدود، يمكنه من تسليم قواعد والإبقاء على بعضها، بانتظار حدوث متغير ما يخفف من وطأة الضغط الأميركي المعروف بقصر نفسه.
الأمر الذي يفسر سبب الـ “هوجة” غداة قرارات جلستي 5 و7 آب، والاستماتة في عدم تحديد مهل زمنية مع الموافقة على حصرية السلاح في البيان الوزاري، فيما يبدو موقف الرئيس الحريري من كل هذه السياقات ومن الانتخابات برمتها غامضًا وحمّال أوجه.



