
لبنان عربي_ عربي دولي
يعد ممر “زنغزور” أحد أكثر المشاريع الجيوسياسية إثارةً للجدل في السنوات الأخيرة، وقد أصبح محورًا لتقاطع مصالح كل من جمهورية أذربيجان وتركيا وإسرائيل وبعض القوى الغربية. ورغم أن المشروع يُعرض على أنه مسار ترانزيتي يربط نخجوان بأراضي جمهورية أذربيجان الرئيسة مرورًا بالقطاع الجنوبي من أرمينيا، فإن تدقيقًا أعمق يكشف عن كونه جزءًا من تحالف إقليمي يستهدف تقليص المكانة الجيوإستراتيجية لإيران في جنوب القوقاز.
دور تركيا
عقب الحرب الثانية في قره باغ والتفاهم الثلاثي بين روسيا وأرمينيا وأذربيجان عام 2020، طرحت باكو، بدعم كامل من أنقرة، فكرة ممر “زنغور” بشكل متزايد، رغم عدم وجود نص صريح بشأنه في الاتفاق. كما ترى تركيا، مدفوعةً برغبتها في ربط أراضيها بجمهوريات آسيا الوسطى الناطقة بالتركية، في هذا المشروع أداة لتحقيق مشروع “العالم التركي”.
ويسمح هذا الممر لتركيا بالوصول إلى آسيا الوسطى عبر باكو ونخجوان، من دون المرور بالأراضي الإيرانية، وهو ما يُهمّش دور إيران كممر ترانزيت رئيسي في المنطقة.
اسرائيل على حدود ايران
إسرائيل أيضًا تلعب دورًا بارزًا في معادلة زنغزور، إذ إن علاقاتها الأمنية والعسكرية والاستخباراتية الوثيقة مع أذربيجان، لا سيما خلال حرب قره باغ، مهّدت لتوسيع نفوذها قرب الحدود الشمالية لإيران. ومن بيع أنظمة الطائرات المسيّرة وأجهزة التنصت إلى حضور الخبراء العسكريين، تستغل تل أبيب باكو كقاعدة استراتيجية في مواجهة طهران. وبالتالي، فإن إنشاء ممر قد يتيح لإسرائيل موطئ قدم دائمًا على الحدود الشمالية لإيران، ليشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي ويقلّص من العمق الاستراتيجي الإيراني.
واشنطن لكسر احتكار النقل
أما القوى الغربية، وتحديدًا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فترى في هذا المشروع وسيلةً لتعزيز أمن الطاقة ومسارات الترانزيت الإقليمية، إلى جانب الحد من نفوذ روسيا وإيران. وتتماهى مشاريع كـ”الممر الأوسط” الذي يربط شرق آسيا بأوروبا عبر الصين وآسيا الوسطى وجنوب القوقاز وتركيا، مع ممر زنغزور، إذ يُنظر إليه كأداة لكسر احتكار طرق النقل التقليدية التي تمر عبر روسيا وإيران. وبهذا، لا تتعرض فقط المنافع الاقتصادية الإيرانية في مجال الترانزيت للتآكل، بل تنخفض أيضًا قدرتها على التفاوض في المعادلات الجيو–اقتصادية.
التراجع الروسي
من جهة أخرى، أدّى تراجع النفوذ الروسي في جنوب القوقاز نتيجة انشغال موسكو بالحرب في أوكرانيا، إلى خلق فراغ استراتيجي استغلته باكو بدعم تركي وغربي لدفع يريفان نحو القبول بالمشروع. وفي ظل الغياب الفعّال للدور الروسي، بدأت أذربيجان خطوات متقدمة لفرض ممر زنغزور، وهو ما حظي بتأييد ضمني من الغرب لتحقيق أهدافه بعيدة المدى. ويمثّل هذا التحول تغيرًا في ميزان القوى الإقليمي ويُفضي إلى تقليص العمق الاستراتيجي الإيراني في الشمال الغربي للبلاد.
ايران الخاسر الأكبر
لم يعد ممر زنغزور مجرد مشروع للنقل أو البنية التحتية، بل أصبح رمزًا لإعادة رسم خرائط النفوذ في منطقة تتقاطع فيها مصالح قوى متصارعة. إن الدعم المتزايد من تركيا وإسرائيل والغرب لهذا المشروع يشير إلى بروز محور جديد مناهض لإيران في جنوب القوقاز.
وإذا ما اكتمل المشروع دون معادلة ردع فعّالة، فإن الممرات التجارية والجيوسياسية الإيرانية ستُقيد بشكل كبير، كما ستتفاقم التهديدات الأمنية على حدودها الشمالية. من هذا المنطلق، يُعد زنغزور تجليًا لجيوسياسة هجومية ناشئة تسعى إلى تحجيم دور إيران، وتشكّل خطرًا جديًا على مستقبل التوازن الإقليمي.
وعلى الصعيدين الاقتصادي واللوجستي، تتجاوز أهمية منطقة زنغزور لإيران البُعد الجيوسياسي. فهذه المنطقة الحدودية تُعد من بين النوافذ البرية القليلة لإيران نحو القوقاز ثم آسيا الوسطى، وتُشكل محورًا رئيسيًا في عبور السلع والطاقة والوصول إلى أسواق كازاخستان وأوزبكستان وقرغيزستان وحتى الصين. وأي إقصاء لإيران من شبكة الترانزيت في هذه المنطقة سيؤدي إلى تحويل مسارات النقل لصالح تركيا ويضعف مكانة إيران في مبادرات إقليمية كحزام الصين وطريق الحرير وممر الشمال–الجنوب.
وتعتمد التجارة الإيرانية مع جمهوريات آسيا الوسطى، خاصة في قطاع التصدير، على طرق آمنة وبرية، ومنطقة زنغزور تُعد أحد المفاتيح الحيوية لتحقيق هذا الربط. وبالتالي، فإن أي تطور جيوإستراتيجي في هذه المنطقة يرتبط بشكل مباشر بمستقبل إيران الاقتصادي وموقعها في المعادلات الإقليمي



