
لبنان عربي – مصطفى العويك
لم يكن خطاب القسم خطاباً مما اعتدنا عليه، جاء من قماشة جديدة في التخاطب السياسي الداخلي، لا شك أن من خاط كلماته عاين بدقة متناهية كل أنواع الفتوق في الجسد اللبناني المثخن بالجراح، وهو جاء كنسمة “الربيع” على صحراء مقفرة، فحركت “شاعرية” سجنتها السنوات الثقال حتى حين.
ساعد خيّاطه في صنع الأمل، تجربة استثنائية كتب فصولها فخامة الرئيس جوزاف عون في اليرزة، ولو لم تكن التجربة لما كان الخطاب.
تجربة استثنائية
قائد يعلنها جهاراً: “القانون هو ما يبقي المؤسسة العسكرية على قيد الحياة، متمتعة بكل أسباب الصمود ومقوماته”، لا القانون الذي تتبناه قوى سياسية، فلسفته الوحيدة: ماديتها ومصلحتها ومنفعتها، على حساب اللبنانيين.
فكان القائد الذي ينتصر للعسكر لا للشهبندر، والجنرال الذي يتمرد على الوزير لأنه يشعر بثقل الوزر الذي يحمله، ويعايشه على أرض الواقع، ويدرك ان الآخرين أهل زواريب ضيقة ونظريات ميكافيلة، ينتظرون من الدولة ان تمنحهم الاعطيات، بينما كان واجبه حماية هذه الدولة بحفظ ماء وجه جيشها، لأنه متى تهمشت صورة العناصر تداعى جسد الدولة بالسقوط المدوي.
روحية سلام
وفي الموازاة، جاءت كلمة الرئيس المكلف نواف سلام متممة لروحية خطاب القسم.
قال سلام من بعبدا، متسلحاً بنفحة وحدوية، وجرعات من التفاهم والشراكة الوطنية: “أنا هنا لتحقيق تطلعات الشابات والشباب، تطلعات التغيير وبناء دولة عادلة قوية حديثة ومدنية نستحقها جميعاً”.
وغرّهم سلام بوداعته وهدوئه وكتبه ومكتبته، وأنه آت من غير حزب يناصره، ولا جماهيرية تؤيده، رغم ادراكهم ان “الجو العام”، الغربي والعربي والمحلي، يشكل آداة ضغط كبرى، وان ليس لثنائي من هنا ورباعي من هناك أن يعيد عقارب الساعة الى الوراء، فهو قطار اللبنانيين الأخير، اما صعود نحو اللبنان المنشود واما هبوط أبدي، في شرق أوسط يتشكل على دماء مواطنيه.
استجماع القوة
وبعد مدّ وجزر توزيريين، استجمع النواف العالي القدر قواه، رافضاً “رئاسة ساعي البريد”، “ليبون بوست” السياسية انتهت الى غير رجعة، والحقائب الوزارية ليست مكرّسة لا في محاضر مخفية، ولا لدى أشخاص منسيّة، انما الطائف بنوده جليّة، وأرانب النبيه لا يجب ان تدخلنا في التيه، ومن يستحضر الأرواح لاشهادهم على ما راح، يكذبهم جميعاً، بحيث يمنعهم من تكذيبه، وفي قاموسنا ذكر محاسن الأموات أولى من نعتهم باخفاء الأسرار.
تشخيص المرض
ولأننا شعب مرهق، قمنا في التاسع من الشهر الحالي، من غيبوبة وطنية دُفعنا اليها دفعاً، ولأننا لا نمتلك تأميناً على الحياة، ولا قدرة لدينا على الطبابة والاستشفاء ولا زيارة الطبيب في عيادته، اجتهدنا ذاتياً في تشخيص أوجاعنا، فوقعنا على حقيقة مريرة: فيتمينات الأمل صفرية، والبروتين الوطني تحت المسموح به، أما الحديد الذي يسهم في اكتساب المناعة اللبنانية فكان من المفقودين اللبنانيين في سوريا، ولم يجد من يسأل عنه.
دولة تحمي شعبها
فحولنا الرصانة التي كتب فيها خطاب القسم والسلام الذي أتى بها نواف، الى مضادات للالتهابات الداخلية، ما ان تجرعنا منها أول حبة، حتى أينعت زهرة الأمل فينا، وزادنا الأمل ايماناً بأننا أهل قدرة وارادة، وكانت سلوتنا ان مطالبنا دستورية مؤسساتية قانونية دولتية، فنحن شعب يريد نظاماً يحميه ويؤمن له معيشته بكرامة، نظام يأخذنا للمستقبل عبر طائرة حديثة رقم رحلتها مرصود من الرادارات الدولية، لا ظلاماً يعيدنا الى زمن “التسللات الاقليمية”، حيث لا أهداف مرجوة لنا بل علينا.
فخامة الرئيس، دولة الرئيس، امضيا قدماً، ولا منّة لأحد عليكما، فتأتون الى قمة الدولة ليس لأنهم يريدونكم انما لأنكما تشكلان الضد لمن لم يستطيعوا الاتفاق عليهم، لتنسينا ثنائيتكما ذكرياتنا الملطخة بالأيام المجيدة والأرانب مع “الثنائي”، وفساد القوى التي زايدت في الإصلاح والتغيير وسرقة المال العام، وليكون عهدكما ايذاناً جديداً لحكم غير مألوف، ولعمل سياسي متناغم مع تطلعات الشعب.



