
لبنان عربي – وحيد حمود
بين “راجع يتعمّر لبنان” و “لبنان رح يرجع”، ضاعت منّا أحلى سنين العمر. عدّاد الشّهداء في تزايد وشيطان الخراب يعبث في المباني، يعدو بين الأزقّة، وينخُل الذّكريات فوق هوّة النّسيان.
وُلِدنا وفي فمنا ملعقةٌ من رُكام، حفِظنا كتب التّاريخ والجغرافيا عن ظهر قلب، ولكن، أين هو هذا التّاريخ الذي تغنّينا به؟ أين جغرافيّة لبنان “سويسرا الشّرق”؟ ولماذا سويسرا أصلًا؟
ما الشّيء الذي ينقصنا حتّى نتغنّى بغيرنا ونتشبّه به؟ أليس لبنان وحده كافيًا دون أن ننسبه لبلد آخر؟ ألم نتّعِظ من إلصاقه بسويسرا وباريس وفيينا… والمدن العَفِنة التي تدّعي الجمال؟ ما هذه التّرهات التي تربّينا عليها؟
لقد تمّ خداعُنا، أوهموننا أنّنا كطائر الفينيق، نخرج في كلّ مرّةٍ من تحت الرّماد، إنّهم محقّون، هؤلاء الذين كتبوا هذا التّاريخ يعرفون أنّ هذه الكلمات ليست أكثر من إبرة مورفين تُخدِّرنا لكي نعتاد المشهد، نضع شارة النّصر أمام مدننا المحترقة والمهدّمة لكي نردّد: انتصرنا، نحن طائر الفينيق.
ألا تبًّا لكلّ طيور الأرض أمام دمعة أمّ تبكي وليدها، إنّ أقبح ما نحياه هو هذه الأفكار التي تربّينا عليها، في كلّ يومٍ شهداء يروون الأرض بدمائهم، بيوتٌ تنهار، مؤسّساتٌ تُقفل، أشجارٌ تُقتلع بآلة الحرب الصّهيونيّة، في كلّ يومٍ ينخر السّرطان الخبيث جسد وطننا أكثر، ونحن نجلس أمام الرّاديو لنردّد مع وديع الصّافي أغنيته العابرة للزمن: “راجع يتعمّر لبنان”، فهل كُتبت هذه الأغنية وصارت نهجًا نحيا عليه؟
إنْ تمعنّا بكلمات وديع لوجدنا أنّها استمراريّةٌ لفعل العَمَار، هذا هو المعنى الحاضر، أمّا المعنى الغائب والمغيّب الواضح وضوح الشّمس، هو الدّمار، أهذا ما تربّينا عليه؟ هل كُتِب علينا أن نحيا حياة البدو في حاضرنا ومستقبلنا؟ ثمّ نردّد مع درويش كلماته: إنّنا أحياء وباقون وللحلم بقيّة..
تبًّا لأحلامٍ تتحقّق بعد غسلها بالدّماء، ما قيمة الأحلام بعد رحيل من يشاركنا إيّاها؟ أوَلَيست هذه الدّماء أغلى وأطهر من فِعل الإعمار؟ ثمّ يخرج من المذياع صوت فنّانٍ يحيا في الخارج تاركًا أغانيه لمن لم يستطيعوا الرّحيل: “لبنان رح يرجع”، أجبني أيّها المتنعّم خارجًا حين تستفيق في غرفتك المكيّفة، فتضع كوب النّسكافيه أمامك وتكتب على منصّة أكس: أحبابي، فعّلوا هاشتاج #لبنان_رح_يرجع.
ثمّ ترجع لتتابع آخر صيحات الموضة، وتستكمل مع مدير أعمالك أمور حفلك الغنائيّ القادم، متى يرجع لبنان؟ لِمَ حُكِمَ عليه باستمرارية الرّحيل أصلًا؟ لِمَ لا يبقى هنا بيننا فلا نغنّي هذه الكلمات ولا غيرها؟ ما هي هذه المعادلة التي تضع لبنان بين كمّاشة الوجع بين حينٍ وآخر؟
ما هو هذا النِّذر الذي يضع لبنان بين فكَّيْ الغول الصّهيونيّ؟ إنّنا نريد أن نكفر بطائر الفينيق، ونشتم كلّ أغاني الوطنيّة التي تدعو لاعتياد المشهد، ليس عاديًّا أن يموت الأطفال والشّيوخ والنّساء تحت سقف منازلهم، ليس عاديًّا أن ينام النّاس في الشّوارع لأنّهم فقدوا أمانهم وقراهم، ليس عاديًّا أن نعود لنلمّ الرّكام بين الحين والآخر من أجل أن ينعم السّاسة الذين يعبثون في بلدنا بالأمان، لبنان ليس صندوق رسائل يقتحمه العدوّ أنّى شاء، لبنان هذا الطّفل الجميل البريء ليس دميةً بيد أحد.
وطننا لنا، حدودنا لنا، دماؤنا لنا، زيتوننا لنا، بحرُنا لنا، جوُّنا لنا، عصافير الدّوري لنا، كلّ حبّة ترابٍ في الأرض لنا، هذا العدوّ لن يبقى، هذا العدوّ حتمًا سيندحِر، دولة الإجرام الصّهيونيّة إلى زوال.



