
عزام حدبا – لبنان عربي
لم أكن مهتماً بدخول معبد “المرمون” في المدينة حتى قرأت مقالة في الجريدة تتحدث عن قسم داخلي خاص لا يحق لأحد الدخول اليه سوى الأعضاء المخلصين في الطائفة. لكن هناك استثناء واحد لتلك القاعدة.
على مدى عدة أيام بعد إعادة ترميم المعبد، يسمح لغير الأعضاء بالتجول في كامل البناء، بما في ذلك المنطقة المحظورة. أتذكر تماماً تأثير المقالة عليّ: فكرت مباشرة في القيام بجولة.
لكن عندما اتصلت بصديق أسأله إذا كان يريد مرافقتي، فهمت شيئاً غيّر قراري بالسرعة نفسها التي اتخذته فيها. بعد أن رفض صديقي الدعوة، سألني لماذا أبدو مصمماً جداً على الزيارة.
كنت مجبراً على الرد بأنني لم أكن أفكر في زيارة المعبد من قبل، وأنه ليس لدي أسئلة عن طائفة “المورمون”، وأنني غير مهتم عامة بفن العمارة، وأنني لم أتوقع أن أجد شيئاً مذهلاً أكثر مما أراه في بقية المعابد.
بدا واضحاً لي أن الإغراء الخاص للمعبد له سبب واحد: إذا لم أرَ المنطقة المحظورة قريباً، فإنني لن أحظى بالفرصة نفسها أبداً.
مبدأ الندرة
منذ مواجهتي لمبدأ الندرة الذي يقول: “تصبح الفرص أكثر قيمة لدينا عندما يقل توافرها، بدأت ألاحظ تأثير المبدأ في طيف واسع من أفعالي.
على سبيل المثال، كثيراً ما أقطع محادثة أجريها وجهاً لوجه للرد على مكالمة شخص مجهول. يملك المتصل في هذه الحالة صفة قاهرة، لا يملكها من يتحدث معي بصفة وجهاً لوجه: احتمالية عدم التوافر.
إذا لم أرد على المكالمة، فقد أضيّعها (وأضيّع المعلومات التي تحملها) الى الأبد.
هواة التجميع والخطأ الثمين
يعرف جميع هواة جمع الأشياء تأثير مبدأ الندرة في تحديد قيمة عنصر ما. إذا كان الشيء نادراً، أو على وشك أن يصبح نادراً، تصبح قيمته أكبر. هناك ظاهرة تسمى “الخطأ الثمين”، تقدم صورة واضحة عن أهمية الندرة.
تكون الأشياء المعيبة أحياناً أكثر الأغراض قيمة. وهكذا، مع أن الطابع البريدي الذي يحمل صورة جورج واشنطن بثلاثة أعين غير سليم تشريحياً، وغير جميل في منظره، فإن هواة جمع الطوابع يسعون وراءه بقوة.
هناك سخرية نتعلم منها هنا: عدم الكمال الذي يحعل الشيء تافهاً يمكن أن يجعله اقتناءً قيماً عندما يحوله الى شيء نادر.
كميات محدودة
من الطبيعي مع تأثير مبدأ الندرة بهذا الشكل القوي على القيمة التي نعطيها للأشياء، أن يحاول محترفو كسب المطاوعة استعماله. ربما كانت وسيلة “العدد المحدود” أوضح هذه العمليات التي تستعمل مبدأ الندرة.
يخبر الزبون أن هناك كمية محدودة من منتج ما، وأنه لا يمكن ضمان بقائها مدة طويلة. تكون المعلومات المتعلقة بالعدد المحدود صحيحة أحياناً، وتكون كاذبة في أحيان أخرى.
لكن القصد في الحالات جميعها هو إقناع الزبائن بندرة العنصر، ومن ثم زيادة قيمته في أعينهم. شاهدت هذه الوسيلة تستعمل بأكمل صورها في متجر لبيع الأدوات.
فنلفترض أننا لاحظنا من بعيد أن أحد المنتجات لفت نظر زوجٍ وزوجة، لكن دون وجود أي محاولة منهما للحصول على مزيد من المعلومات عنه.
بعد أن يرى البائع الزوجين مهتمين يقترب ويقول: “أرى أنكما مهتما بهذا النموذج هنا، إنها آلة رائعة بسعر ممتاز. لكن للأسف، لقد بعتها لزوجين آخرين قبل أقل من 20 دقيقة. وإذا لم أكن مخطئاً، فإنها آخر آلة لدينا”.
تظهر خيبة أمل الزبونين على وجهيهما بوضوح، تزداد جاذبية الآلة فوراً. السياق النموذجي هو أن أحد الزبونين يسأل إذا كان هناك احتمال وجود آلة أخرى لم تُبع في المستودع، أو في فرع آخر.
يجيب البائع: “ربما، هذا احتمال وارد، أستطيع أن أتحقق”. يوافق كثير من الزبائن على الشراء في هذا الوقت الفريد الغالي. لذلك عندما يعود البائع (دوماً) مبشراً بإيجاد قطعة إضافية مخزونة من الآلة، فإنه يأتي ومعه قلم وعقد بيع في يده.
آخر موعد
هناك وسيلة أخرى قريبة لوسيلة العدد المحدود، وهي وسيلة “آخر موعد”، التي يحدد فيها موعد رسمي ما لفرص الزبون في الحصول على ما يقدمه محترف كسب المطاوعة. تماماً مثل تجربتي مع معبد طائفة “المرمون”.
كثيراً ما يجد الناس أنفسهم يقومون بما لا يرغبون القيام به عادةً لمجرد أن الوقت السانح للقيام به قد بدأ بالنفاد. يجعل التاجر الماهر هذا الميل عند الناس مربحاً بتنظيم مواعيد أخيرة للزبائن والإعلان عنها.
كثيراً ما تحصل حالات مركزة من هذه الحالات في الدعاية للأفلام السينمائية. لاحظت مؤخراً أ، أحد أصحاب دور السينما استطاع استعمال مبدأ الندرة ثلاث مرات مختلفة في خمس كلمات فقط حين كتب: “حصري، مواعيد محدودة تنتهي قريباً”.
*من كتاب “مختصر وسائل الإقناع” – م. عزام حدبا



