
خاص – لبنان عربي
الخبرة لا تصنع بل تكتسب بتراكم التجارب. يقول علماء الاجتماع أن فشل إحدى التجارب ليس نهاية الطريق، بل هو الخطوة الأولى نحو النجاح. وهذا بالضبط ما فعله بهاء الحريري الذي وصل الى بيروت منذ أيام قليلة، متسلحاً بعزيمة لا تلين، وإصرار على متابعة الطريق الوعر.
ظن الكثيرون أن تجاربه السابقة أصابته باليأس، فيما هو كان يجري تقييماً دقيقاً لكامل المرحلة السابقة، كما يفعل كل الساسة الكبار ورجال الدولة، ويصوغ برنامج عمل جديد، لتحقيق الهدف نفسه الذي لم ولن يتغير “إكمال مسيرة الرئيس الشهيد رفيق الحريري”، بروحية جديدة، وخطاب سياسي متجدد. ولأن بهاء الحريري يدرك أن فريق العمل هو مفتاح النجاح في تحقيق هذا الهدف، فإنه كان يبحث عن فريق عمل جديد أكثر مهارة واحترافية، ويتمتع بخبرة واسعة في الشأن اللبناني الشديد التعقيد، ووجد ضالته في رياض الشيخة ليكون قائد هذا الفريق.
يتمتع الشيخة بخبرة كبيرة في التخطيط ووضع الاستراتيجيات، والمنهجية العلمية في توظيف الكفاءات ودراسة المؤشرات للبناء عليها، راكمها من خلال عمله في القطاع الخاص لسنوات طويلة، حيث تولى منصب مدير عام مستشفى الشرق الأوسط لخمس سنوات في حقبة التأسيس، ومن ثم مديراً لمستشفى طراد التي أسهم في إعادة تأسيسها. خبر العمل مع رفيق الحريري بعدما عينه عام 2003 رئيس مجلس إدارة مدينة كميل شمعون الرياضية، وكان على احتكاك دائم به، أكسبه خبرة كبيرة وإيماناً راسخاً بنهج شخصية استثنائية.
استند الشيخة على خبرات السنين للإعداد لزيارة نوعية لبهاء الحريري الى لبنان، تشتمل على جولة واسعة في مختلف المناطق اللبنانية، ليلتقي خلالها وجهاً لوجه مع نخب وشخصيات تؤمن بنهج رفيق الحريري، كي يسمع مطالبهم، ويطلع على هواجسهم ، ويناقش وإياهم أفكارهم وآراءهم، وينقل اليهم عن قرب وجهاً لوجه شغفه وإصراره على متابعة مسيرة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ويطلعهم على ركائز الرؤية التي أعدها لذلك، لإيمانه بأنهم شركاء في هذه المسيرة وليسوا أتباعاً ولا متلقين.
أولى علائم المراجعة التي أجراها بهاء الحريري تبدت في النشاط الأول الذي أجراه، بعدما زار ضريح والده في وسط بيروت، وأدى صلاة الجمعة في مسجد محمد الأمين الذي كان له شرف الإسهام في عمارته، بالشراكة مع شقيقه سعد، حيث كانت باكورة النشاطات في دار الأيتام الإسلامية.
الأمر الذي لا يعكس اهتمامه بالعمل الخيري فقط، بل أيضاً إيمانه بالعمل المؤسساتي، إذ تشكل دار الأيتام الإسلامية علامة مضيئة في العمل المؤسساتي المستدام. وفي حضور شخصيات بيروتية رفيعة أظهر بهاء الحريري خطابه المتجدد حينما أكد أن “سعد هو أخي وحبيبي، ونحن سنكمل مسيرة الرئيس الشهيد”، في تعبير عن النهج التكاملي لا الإلغائي، التصالحي لا الخلافي، وكذلك من خلال التأكيد على الاعتدال كعنوان لخطه السياسي، بعيداً عن الخطب الرنانة والشعبوية التي تطرب لها شرائح جماهيرية.
منذ بداية جولته، كان بهاء الحريري يبدو واثقاً جداً من نجاحه في إطلاق دينامية سياسية جديدة يحتاجها لبنان بشدة في زمن الانسداد السياسي، بما قد يعيد السنة الى صلب المعادلة السياسية بعدما صاروا في السنوات الأخيرة على هامشها.
وفي المحطة الشمالية التي شملت طرابلس والمنية “مدينة الرئيس الشهيد رفيق الحريري” والضنية، ظهرت آثار المراجعة العميقة بوضوح أكثر، وكذلك بصمة الفريق المعاون المتجدد للحريري، من خلال التنوع في المدعوين الى اللقاءات، والنقاشات التي جرت خلالها، والتي كان فيها الحريري مستمعاً، وليس خطيباً يسكب العبارات المحضرة مسبقاً التي تثير الغرائز والضغائن، رغم أنها تمنحه رصيداً سهلاً.
لكن الحريري نبذ هذا الأسلوب لكونه لا يتسق مع الإرث الكبير للرئيس الشهيد رفيق الحريري، وهنا بيت القصيد. وإصرار بهاء الحريري على الالتزام بإرث والده هو الذي جعله يتجاهل كل المحاولات الصبيانية للإساءة اليه عبر هذه الطريقة أو تلك.
فكسب هو نقاطاً في مسيرة يدرك تماماً أنها طويلة، وأن هذه الزيارة ما هي إلا محطة، تحتاج الى الكثير من الجهد للمراكمة عليها. وهو ما سيعمل عليه مع فريقه المعاون عقب الانتهاء من الزيارة، وإجراء تقييم شامل وواسع لها، تمهيداً للانتقال نحو الخطوة التالية في رؤيته المستقبلية المتجددة.



