
لبنان عربي – مصطفى العويك
كل ولادة يرافقها فرح وحذر، فرح بشمس جديدة تخرج من ظلمات الرحم الى فضاءات الرحمن، وحذر يتجلبب الخوف على حياة الأم والجنين معا، وعلى ما قد يصيب الأم من مضاعفات المخاض والولادة، وما قد يحمله الجنين من أمراض او تشوهات.
لذا يكون الحذر متقدما على الفرح، فمآلاته شديدة الوقع على الروح.
وفي الحالة السورية اليوم، يعترينا الفرح ويضبط مواقيتنا الحذر.
أعراس تقام، وأرواح تدبك على وقع صيحات الانتصار، ورصاص ابتهاج يرسم في سماء سوريا بعضا من ملامح حذرنا…
زغاريد تسابق بعضها، وعناق طال 40 عاما يظهر فجأة على شاشات التلفزة، بعد أن أقام المعانق جلسات عزاء لميته الذي لم يمت…وحذر من موت كثير قادم.
سبيعني دمشقي تبتلع النشوة صوته وهو يردد: ” الآن أصبح بامكان اولادي واهلي وجيراني ان يسمعوا صوتي”، كان صوته همس نملة ثم استحال بفعل الولادة الجديدة أباً مكتمل الصلاحيات يوجه هنا ويعظ هناك، يسرد تجاربه ويستعرض الخيارات الممكنة لأبناء ما عرفوا قبل ذلك الا خيارا واحدا أوحد هو سوريا الأسد”…ثم يبكي على مصير أولاده المجهول.
يقول لهم وعبرهم لكل السوريين: “50 عاما من اللاوجود واللاكيان، 50 عاما نقنع أنفسنا اننا ننتمي لفصيلة الانسان، نستيقظ كل يوم على أذان الأسد، نقرأ صحفه نسير في شارعه، الى متجره ومدرسته وجامعته، حتى المسجد كان له وعلى حائط الكنيسة لطالما اتكأ يتأمل وجوهنا، فالصلاة له وباسمه”.
ولم يكن فينا بلال بن رباح ولا عمار بن ياسر، ولا آسية بنت مزاحم، كنا جميعا عبيدا لا نجرؤ على رفع رؤوسنا ولا سحب سيوفنا من اغمادها، حتى ذبحنا بها وبقينا ننزف حتى طهّر الدم نفسه، بفعل عوامل عديدة، فلا تجعلوه دما مرتدا بل حافظوا على نقاوته ومدوّه بهواء حرّ نقي لا يسجنه ظالم ولا يفسده قاتل ولا يدنّسه خائن للتضحيات”.
ويضيف، ” أنا فرح لكني قلق، والقلق يقتل الفرح فلا تجعلوا لقلقي بيتا ولا راعيا ولا مؤيدا، ولا ساحة، اطردوه كما طردتم الكابوس الكبير”.
عقلنوا خطواتكم كي لا نصبح جميعنا رهن الاعتقال.
ادرسوا خططكم كي لا تَندرس ثورتنا، بل تدرّس.
استوعبوا كل المكونات ليبقى دستورنا واحدا.
أمّنوا الخائفين وأطعموا الجائعين،
لا تضعوا الحرية في قفص، ولا تشمتوا ممن اغتّر سابقا، فالدول لا تبنى على الشماتة، ولا يقوم قانون على ثأر.
حصنّوا سوريا بالعدل ونقوا طرقها من الظلم، يومئذ ينشر القمح على رؤوس الجبال، ولا يقال جاع طير او ضرب ضيف، أو سرق تاجر، أو ظلم مواطن في بلاد عمر بن عبد العزيز.
ولا تغرنّكم ولا تدغدغكم عبارة “الاسلام السياسي”، فلعمري ليست الا فخا نصبه الأعداء لنا، دخلناه لنثبت أمرا، ونظهّر صورة، فنفينا الأول وأتت الثانية علينا.
وليكون “الجنين” السوري الجديد، ولدا شرعيا بكل ما تحمله الكلمة من معاني، اغلقوا نوافذ التبعية لكل من هو خارجي، وافتحوا أبواب النديّة.
فإن فعلتم نلتم مقصدكم وتحلقت الناس من حولكم، وأعدتم العروبة الحقة الى سوريا، وأظهرتم الاسلام الذي نؤمن به، وأكسبتم الجيل القادم دولة مكتملة البنيان..



