
تناولت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية الإشكالية التي تواجهها إدارات بعض الجامعات الأمريكية، ومنها جامعتا هارفارد وستانفورد، في كيفية السيطرة على الاحتجاجات الطلابية ضد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، إذ تسعى الجامعتان الى الدعوة للحياد السياسي بشأن ما يحصل اليوم وذلك بالتناقض مع مواقف سابقة قبل أربع سنوات تدعو لمواجهة العنصرية والظلم كما حصل عند مقتل جورج فلويد (المواطن الأسود على يد الشرطة الأمريكية).
ويقول كاتب المقال جيسون ويليك إنه “في الأيام التي تلت مقتل جورج فلويد في مينيابوليس، أعلن رئيس جامعة هارفارد أنه “يجب علينا استغلال هذه اللحظة لمواجهة الظلم العنصري وعلاجه”. وكتب عميد كلية الصحة العامة قائلا للطلاب: “مجتمعنا يقف متحدا في بذل كل ما في وسعنا… لنكون دعاة للتحول الاجتماعي المناهض للعنصرية”. وشدد رئيس جامعة ستانفورد على “الإرث المخزي للعنصرية ضد السود وكيفية استمرارها في مجتمعاتنا وبلدنا”، بينما كتبت عمادة كلية الطب فيها : “إننا وبشكل جماعي، لا يمكننا التنفس – حتى يحدث تغيير ملموس”.
تتناقض الدعوة للحياد السياسي في الجامعات بشأن ما يحصل اليوم مع مواقف سابقة قبل أربع سنوات تدعو لمواجهة العنصرية والظلم كما حصل عند مقتل جورج فلويد
ويضيف الكاتب: “كانت الكليات تستخدم الأحداث الجارية كمحفزات لتعزيز القضايا السياسية لسنوات، وقد وصل هذا الاتجاه إلى ذروته في عام 2020. وانضمت جامعات هارفارد وستانفورد إلى الجامعات في جميع أنحاء البلاد في إلقاء ثقلها المؤسسي الكامل وراء مناهضة الحركة العنصرية “.
ويرصد الكاتب تغيرا في ذلك الموقف في التعاطي مع الشأن العام فيقول: “لكن بعد مرور أربع سنوات، ومع حالة الاضطراب التي تعيشها الجامعات بسبب الحرب بين إسرائيل وحماس، استبعدت الجامعتان مثل هذه الدعوة المؤسسية حيث يقول تقرير لأعضاء هيئة التدريس في جامعة هارفارد صدر الأسبوع الماضي، وباركته إدارة الجامعة، إنه “يتم تعيين قادة الجامعة لمهارتهم في قيادة مؤسسة للتعليم العالي، وليس لخبرتهم في الشؤون العامة”.
ولذلك، عندما يتحدثون في مهامهم الرسمية، فيجب عليهم أن يقتصروا على الأمور التي تقع ضمن مجال خبرتهم ومسؤوليتهم المؤسسية في إدارة الجامعة”. وكذلك تبنى مجلس أعضاء هيئة التدريس في جامعة ستانفورد قرارا مشابها بقوله إنه “عند التحدث باسم المؤسسة، لا ينبغي لقادة جامعة ستانفورد و إدارييها التعبير عن رأي حول الخلافات السياسية والاجتماعية، ما لم تؤثر هذه الأمور بشكل مباشر على مهمة الجامعة أو تنطوي على التزاماتها القانونية”. ويستخلص الكاتب النتيجة من ذلك “عبارة أخرى، تريد جامعتا ستانفورد وهارفارد الآن اتخاذ موقف الحياد …. مع استثناءات محددة بشكل ضيق”.
ويميز الكاتب بين الكلام على الورق والواقع الموجود على الأرض، خاصة وأن المجتمع الجامعي لا يمكن فصله عن التعاطي مع قضايا الشأن العام، فيقول “على الورق، يعد هذا تحولا مرحبا به بشأن المهمة الأكاديمية. ولكن يتعين السؤال عما إذا كان ذلك – أو ما إذا كان سيصمد عند الاتصال بالحركة الاجتماعية التقدمية”. ويوضح “أن رؤساء الجامعات سياسيون حتما، ومن مصلحتهم تجنب خلق احتكاك داخل قاعدتهم (بشأن ما تفعله إسرائيل في غزة) وبدلا من ذلك سيسعون لتوحيدها ضد التهديدات الخارجية المتصورة (كما تفعل قضايا مثل حملة حياة السود مهمة).
ويشير الكاتب الى ما حصل في الجامعات بسبب تداعيات ما قامت به حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول، والحرب الاسرائيلية اللاحقة في قطاع غزة، مما يجعل قضية الحياد المؤسسي في التعليم العالي تبدو أكثر إلحاحاً بعدما ساهم الجدل حول الحرب في استقالة اثنين من رؤساء الجامعات، ثم حصول احتجاجات الحرم الجامعي ومعضلات حرية التعبير الجديدة، وبالنسبة للجامعات التي تتحرك في هذه البيئة السياسية، قد يبدو الحياد الليبرالي أمرا مبدئيا، نعم، ولكنه جذاب لها أيضا باعتباره مسألة للحفاظ على الذات”.
ويعلق الكاتب على هذا الرأي إذ يقول “إنه على النقيض من ذلك، في أعقاب مقتل جورج فلويد، اتخذت غرائز الحفاظ على الذات بين قادة الجامعات الاتجاه الآخر. في ذلك الوقت، ربما لم تكن إدانات العنصرية والدعوات إلى التغيير التقدمي تبدو سياسية في حد ذاتها، وتم مشاركتها عالميا في المجتمع الأكاديمي”.
جامعات النخبة عبارة عن نماذج مصغرة نادرة للمجتمع الأمريكي، لذا فهي لا تتأثر بشكل مباشر فقط بقضايا مثل الضرائب، ولكن أيضا بشكل غير مباشر بقضايا مثل العلاقات العرقية والحرب في الشرق الأوسط
ويرى الكاتب “أن البيانات الجديرة بالثناء التي تبنتها جامعتا هارفارد وستانفورد تحتوي على فتحة هروب يمكن لقادة الجامعات استغلالها في المرة القادمة التي يشعرون فيها بأنهم مضطرون إلى إطلاق دعوات سياسية للعمل. وتسمح هذه التصريحات بحق القادة بالدفاع عن “الوظيفة الأساسية” للجامعة (هارفارد) أو “مهمة الجامعة” (ستانفورد). إن جامعات النخبة عبارة عن نماذج مصغرة نادرة للمجتمع الأمريكي، لذا فهي لا تتأثر بشكل مباشر فقط بقضايا مثل الضرائب، ولكن أيضا بشكل غير مباشر بقضايا مثل العلاقات العرقية والحرب في الشرق الأوسط. وإذا بدت إحدى القضايا مهمة بما فيه الكفاية، فيمكن للعمداء والرؤساء أن يقرروا أنها جوهر مهمة الجامعة … وإذا كان هناك أي شيء جيد في الصراع داخل الحرم الجامعي حول إسرائيل، فقد يكون أن الجامعات تدرك أن الدعوة السياسية القائمة على قضية معينة، ستكون أمام طريق مؤسسي مسدود. لكن المبادئ لا يتم التصديق عليها عندما يكون من المناسب الإعلان عنها فقط، بل يتم التصديق عليها عندما ينطوي تنفيذها على مخاطرة ويتطلب شجاعة”.
ويختم بالقول “إذا تولت إدارة ترامب الحكم مرة أخرى، فسوف يعود شعور واسع النطاق بالأزمة إلى المؤسسات الليبرالية، وسوف تصبح التزامات هارفارد وستانفورد بالحياد الليبرالي غير مريحة”.



