رصاصة الوعي لا الرصاص الطائش

لبنان عربي – سعاد القصير
(قتلتو بالغلط) هذا التّعبير الذي كان رائجًا بين العشائر، وبسببه تبدأ قضيّة ثأر يذهب ضحيّتها أبرياء تُزهَق أرواحهم على شوارع الجهل والانتقام، باعتبار أنّ الدّم لا يبرّده إلّا الدّم.
تطوّرت الحياة، وغرقنا في عالم التّكنولوجيا والسّوشيل ميديا، غصنا عميقًا في العالم الموازي، وهم الحياة الورديّة، السّيارات والاحتفالات ومستحضرات التّجميل… إلى ما هنالك من اهتمامات غطّت على مشكلات الواقع المركون على رفوف الإنكار، حتى كدنا، للحظات، ننسى حقيقة الشّوارع، كدنا نصدّق أنّ الوجوه التي تطلّ علينا من خلف الشّاشات ستأخذنا معها إلى بلاد العجائب.
ولكن! إشعار واحد على الشّاشة ذاتها، يرمي بنا من قمم الوهم إلى جهنّم الحقيقة: “إشكال فرديّ على خلفيّة أفضليّة مرور، أو احتفال بنجاح ما، وإطلاق نار أودى بحياة الشّاب فلان الفلاني، عن طريق الخطأ”، هذا الشّاب الذي لم يكن طرفًا في الإشكال، ولكنّه أصبح طرفًا في النّتيجة، بل أصبح هو النّتيجة.
“رصاص طائش وقتل عن طريق الخطأ” أكثر تعبير استفزازيّ ممكن أن يدلي به أحد ليبرّر الموت. نعلم جيّدًا أنّ الموت حقّ، وتعدّدت أفعال حدوثه، ولكن ماذا عن تبرير الفوضى الأخلاقيّة وحرب الشّوارع؟! هذا أمر يضاهي عملية القتل نفسها.
ولا تقف المصيبة هنا، وإنّما هل تابع أحدكم التّعليقات على هذه الأخبار؟ التّحليلات النّفسيّة-الشعبيّة، والتّحقيقات التي تجري بمجرّد أن يضغط أحدهم على مفاتيح الحروف، اتّهامات مبعثرة بين الأهل والقاتل، كيف يمكن للمشاهد الذي لم يشاهد شيئًا أن يضع الأهل في كفّة الميزان نفسها مع السّلاح المتفلّت على صدور شبابهم؟
غريبة هذه المعادلة، حين يصبح القتيل متّهمًا، وتصبح عائلته شريكة بالجريمة، لمجرّد مصادفة وجوده في مكان جمع بينه وبين شياطين الإنس، مغيّبي العقل والدّين والأخلاق. وهل نراهن على دموع أمّ مفجوعة بتغييب ولدها عن حضنها؟ هل نسترخص قلب أب تمزّق وتلطّخ جداره بدم فلذة كبده؟
نقد وانتقاد وتأويلات، تجعلنا في حالة ذهول، بأيّ اتّجاه نسير؟ نركض وراء النّاس لنعود بهم إلى واقع الجريمة والحقّ؟ أم نلاحق المجرم ليأخذ جزاءه؟ أم نحاوط الأهل لنبرّد على قلبهم بكلمة طيّبة؟
ما وصلنا إليه من حالات فرديّة تستبيح أرواح النّاس عن قصد أو عن غير قصد، لم يُعِدنا إلى عصر الجاهليّة فحسب، بل جعلنا ننغمس في وحل من التّبريرات.
فإلى متى؟ نأخذ بالثّأثر من القاتل المباشر؟ ونعد للثّأر من القاتل بالسّم البطيء؟ وأيّ ثأر أو أيّ ثأر بانتظارنا؟
لم نعد في مجتمعاتنا نعيش حياة سويّة، بل حياة أصابها الفصام، وكلّما هربنا من واقع الشّر إلى ورديّة الأوهام، عاثت الشّياطين قتلًا وفسادًا.
فمتى ستصيبنا رصاصة الوعي لتحرّك فينا ألم الحقيقة؟



