
تشكل إعادة قراءة وثائق المعارضة العراقية، فضلا عن التقارير والمذكرات التي تحدث عن احتلال العراق، والمرحلة التي تلت ذلك، أهمية كبيرة في فهم لماذا انتهينا (بعد 21 عاما من لحظة الاحتلال) إلى دولة فاشلة، والأهم إلى دولة طائفية بامتياز؛ سواء على مستوى النظام السياسي، أو على مستوى بناء الدولة، أو على مستوى التحيزات الطائفية المعلنة للقابضين على الدولة!
لا يمكن لعاقل أن يتوهم أن بناء نظام حكم على أساس جماعاتي/مكوناتي/ هوياتي كان اختراعا أمريكيا، أو أنه كان نزوة شخصية لرئيس سلطة الائتلاف المؤقتة بول بريمر. بل كان ذلك من البداية مشروعا تبنته المعارضة الشيعية والكردية بشكل صريح بداية التسعينيات على الأقل. ولا يمكن هنا إغفال نصوص رئيسية جاءت في هذا السياق، لعل أهمها «إعلان شيعة العراق» الذي نشر عام 2002حيث شكل المانفيستو الأخير في سياق إدارة الحكم على أساس هوياتي!
لم يكن بإمكان الأحزاب او التجمعات السياسية التي شكلت نواة المعارضة العراقية، سوى أن تكون ممثلة لجماعات وهويات، فجميعها تأسست على فكرة أن العراق يتكون من جماعات عرقية ودينية ومذهبية، وعمدت إلى تحويل هذه الجماعات/ الهويات إلى هويات سياسية؛ فالحزبان الكرديان يتبنيان، بشكل صريح، هوية قومية، فيما يتبنى المجلس الأعلى وحزب الدعوة هوية مذهبية (كان لحزب الدعوة دور مركزي في صياغة «هوية شيعية» ذات بعد سياسي).
وبرغم من أن كلاّ من حركة الوفاق (أياد علاوي) والمؤتمر الوطني العراقي (أحمد الجلبي) تشكلا في بدايتهما دون هوية طائفية/ مذهبية صريحة، لكن الحركتين انتهيتا إلى أن تكونا كذلك حين قبلتا أن تكونا عضوين في مجلس الحكم بوصفهما كيانين شيعيين، وتأكد ذلك بعد إعلان أحمد الجلبي تأسيس «البيت الشيعي». ومراجعة أسماء أعضاء هاتين الجماعتين قبل وبعد 2003، تكشف بوضوح عن البعد الهوياتي الذي حكمهما فيما بعد!
وكانت الخطيئة الأكبر للولايات المتحدة الامريكية، بعد خطيئة الاحتلال، هي فشلها في ضمان عدم عودة العراق مرة أخرى إلى حكم ذي طبيعة طائفية أولا، وفشلها في منع العودة إلى الاستبداد مرة أخرى، ليس عبر ديكتاتورية الفرد، بل الديكتاتورية باسم الأكثرية!
فالشيعة الطائفيون في مجلس الحكم (كما كان يسميهم بريمر) عمدوا إلى استخدام فتوى السيد علي السيستاني التي صدرت يوم 25 حزيران 2003 والمتعلقة بإجراء انتخابات عامة لمجلس دستوري من أجل كتابة الدستور، وذلك لغرض ابتزاز الأمريكيين الخاضعين لضغط تلك التوقيتات، سواء الضغوطات المتعلقة بتسليم السلطة إلى حكومة انتقالية والمقرر في نهاية حزيران 2004، أو توقيت انتخاب الجمعية الوطنية الذي كان يجب أن لا يتجاوز 31 كانون الثاني 2005، أو توقيت اكمال كتابة الدستور في منتصف شهر آب. وبالفعل شُكلت انتخابات الجمعية الوطنية التي جرت في كانون الأول 2005. لكن القوى السنية الرئيسية قاطعت هذه الانتخابات، فكان ذلك بمثابة الانتكاسة الأكبر للمشروع الأمريكي في بناء ديمقراطية حقيقة في العراق؛ فعلاقات القوى المختلة التي نتجت عن هذه الانتخابات، هي التي حكمت مسألة كتابة الدستور، الأمر الذي أطاح بكل الضمانات التي حاول قانون إدارة الدولة توفيرها بالحد الأدنى لمنع العودة إلى الاستبداد ثانية!
ينقل السفير الأمريكي الذي عمل في العراق بين تموز 2005 وكانون الأول 2007 أنه التقى في بغداد زعيما شيعيا أواخر 2006، وأنه تحدث معه عن أهمية التعددية، فأجابه ذلك الزعيم: «أوافق على كل ما تقوله عن المصالحة والتعددية، لكنني أنظر إلى ذلك بشكل مختلف، لقد سيطر علينا العرب ال



