الرئيسيةرأي

«عمران» والإنتخابات النيابية… التوقيت كجزء من المسؤولية السياسية

لبنان عربي – مصطفى العويك

شكّلت تجربة جمعية “عمران” في الانتخابات البلدية الأخيرة في طرابلس، محطة لافتة في مسار العمل العام في المدينة، كونها مثّلت محاولة جدّية لإدخال منطق مختلف إلى العمل المحلي، منطق يقوم على الإدارة بدل الزعامة، وعلى الفكرة بدل الشخص، وعلى الخطاب المدني بدل الاستثمار في العصبيات.

دخلت «عِمران» المعركة البلدية محمّلة بخطاب إصلاحي جذّاب، يلامس وجدان شريحة واسعة من الطرابلسيين المتعبين من الفشل المزمن، لكنها اصطدمت بواقع انتخابي شديد التعقيد، حيث لا تزال العلاقات العائلية، وشبكات النفوذ، والخدمات، أقوى من أي برنامج مكتوب بإتقان. وهنا تحديدًا يظهر التحدي الحقيقي: كيف يمكن لخطاب مدني أن يتحوّل إلى قوة اقتراع في مدينة أنهكتها السياسة ولم تتحرّر منها؟

والبلدية في طرابلس ليست مساحة تقنية فحسب، أو مجلس خدمات وسلطة محلية، هي فوق ذلك كله ساحة سياسية بامتياز. ومن يقرأها على أنها إدارة خدمات فقط، يُخطئ التقدير. فالناخب، مهما علا وعيه، لا يصوّت في فراغ، بل داخل منظومة خوف وتجربة وذاكرة، وهذه المنظومة لا تُكسر بخطاب جميل وحده، أو بشخصيات مودرن أصحاب تجارب فردية ومؤسساتية معتبرة.

لذلك إن كانت “عمران”، تريد أن تطوّر عملها العام وتدخل ميدان السياسة من بوابة الإنتخابات النيابية المقبلة، ولها في ذلك كامل المشروعية، عليها أولاً أن تجري مراجعة جريئة لتجربتها البلدية، من ألفها الى يائها، ومن ثم تبدأ بدراسة الوضع السياسي في المدينة بقدر عال من الواقعية، آخذة بعين الإعتبار أن النيابة في طرابلس ليست امتدادًا للعمل البلدي، بل انتقال إلى مستوى آخر من الاشتباك السياسي، حيث المال، والتحالفات الكبرى، والاصطفافات الإقليمية، تلعب الدور الحاسم. وأي تجربة مدنية لا تعِدّ نفسها لهذا الواقع، تُعرّض نفسها لأن تكون ضحية حسن نيتها.

ويصبح السؤال هنا مشروعًا: كيف يمكن الحفاظ على نقاء التجربة داخل معركة لا تشبهها في شروطها ولا في أدواتها؟ وهل الأفضل مراجعة التجربة والمراكمة عليها؟ أم إستعجال تعريضها لإختبار جديد بعناوين سياسية أشمل وأعمق من تلك التي خاضت بها معركتها البلدية؟

الفكرة هي أن لا تتحول “عمران”،  الى “بوديموس طرابلس”، وهي الحركة الإسبانية التي خرجت  من رحم الاحتجاجات الشعبية عام 2014، ونجحت سريعًا في اختراق المجالس المحلية (مدريد وبرشلونة)، غير أن انتقالها المتسرّع إلى المواجهة الوطنية، من دون تثبيت كافٍ لقواعدها الاجتماعية وتحالفاتها، أدّى لاحقًا إلى تراجع زخمها وانقسامها الداخلي، رغم صدقية خطابها في البدايات، والإشارة هنا ليست للتدليل بنجاح أو فشل الحركة، بل في توقيت الانتقال وحساب كلفته.

هذا المثال لا يُسقط على طرابلس بحرفيته، لكنه يضيء على حقيقة أساسية: التجارب الإصلاحية، حين تستعجل المعارك الكبرى، تُخاطر بأن تُستنزف قبل أن تترسخ. لذلك، فإن السؤال المطروح أمام «عِمران» ليس فقط: هل نخوض المعركة النيابية؟ بل: متى؟ وكيف؟ ومع من؟

وسواء كان الخيار بلائحة مستقلة خالصة، أو بتحالف يشبهها في الرؤية والسلوك، فإن المعيار يجب أن يبقى واحدًا: حماية الفكرة من الذوبان، وحماية التجربة من التوظيف، وعدم الانجرار إلى تحالفات تُربح مقعدًا وتُخسر المعنى.

الحرص الحقيقي على «عِمران» اليوم لا يكون بالدفع نحو المواجهة، بل بتثبيت حضورها الاجتماعي، وتعميق علاقتها بالناس، والعمل بهدوء خارج الضوء الانتخابي. فالسياسة، في نهاية المطاف، ليست سباقًا نحو الاستحقاقات وحسب، بل مسارًا تراكميًا تُقاس فيه الجدارة بقدرة الفكرة على الصمود.

تمثل «عِمران» فرصة  لا يجوز التفريط بها. فرصة لإعادة الاعتبار لفكرة العمل العام النظيف في مدينة عانت من تجاربها. وحماية هذه الفرصة تقتضي قراءة دقيقة للواقع، وشجاعة في التريّث، وثباتاً في الإقدام، ووعيًا بأن بعض المعارك تُربح حين تؤجل… لا حين تخاض…وبعضها الآخر يمنحك انتصاراً آنياً ثم يهزمك في قادمات الأيام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى