
لبنان عربي_ مصطفى العويك
حال طرابلس من حال دوتها، لا رأس، لا مرجعية، لا مؤسسات عاملة، ولا أمن ولا أمان.
مشاكل كثيرة ومعقدة تطال كل القطاعات الرسمية منها والخاصة، والحلول اما فردية لا ترقى لحجم المخاطر، واما رهينة المكاتب والنظريات، واما خاضعة لمصالح ذاتية تربط مسؤولية تسييلها أمرا واقعا بألف حساب وحساب.
حال طرابلس من حال دولتها، لا رجال دولة تُعنى بملفاتها وتهتم لتسيير العالق منها، وترتقي بها من عشوائيات الطرح وشخصنة القضايا الى رحاب السياسات العامة والتخطيط المدروس والممنهج، الى سلك الطرق الصائبة في الحوكمة والادارة الرشيدة، وفوق ذلك كله، لا أفكار على الطاولة، كل ما عليها نكد سياسي وتذمر مجتمعي وهروب الى الأمام، ومسؤوليات تتقاذف بين أيدي رجال السياسة تارة ورجال الأمن تارة أخرى.
حال طرابلس من حال دولتها، لا مقاربات علمية للمشاكل، ولا حلول ناجعة، انما تسويف للملفات وتقديم الخاص على العام، ورمي كل تقصير وتراجع على شماعة “ظروف البلد”، وتمسك كل فريق بطرحه الخاص المبني على دراسة معمقة في كيفية الاستحواذ أكثر على المرافق العامة ومصادر التمويل، يرافق ذلك استخدام أحدث الأساليب في تخدير الناس وجعلهم أرقاما سلبية لا يؤخذ بحسبانها عند توزيع المغانم، فعليها الغرم ولأرباب المدينة الغنم.
حال طرابلس من حال دولتها، لا سياسة ولا فكر، ولا علم ولا علماء، قالها مدوية أحد أبرز وأعلم شبابها المتدين سليل العائلة الدينية العاقلة المتفكرة:” رجاء عندما تذكرون عبارة طرابلس مدينة العلم والعلماء، أضيفوا بعدها مباشرة كلمة “سابقا”، حتى لا نصدق الوهم الذي نعيشه فنقبله ونقره ونستثيغه”…
شذرات العلم التي بقيت هنا وهناك، ورجالات العلم الذين يجهدون أيضا هنا وهناك، لا يملآن وحدهما فراغا يجر المدينة سريعا الى الهاوية، ولا يشكل مدخلا حقيقيا وراسخا لمكافحة آفات تفتك بشبابنا ومجتمعنا أشد الفتك.
حال طرابلس من حال دولتها، ترقيع لا يزيل المشكلة، واستسهال في التخلي عن الدور والمسؤولية، وتشريع لحالات شاذة في الأمن والسياسة، رفع للوضيع وتسفيه للعاقل، ابعاد للأمين واستشارة للحرامي الشاطر، الذي جعلت منه الظروف المعاشة سيدا في مجتمعه مطاعا بين أقرانه، محميا من أسياده، سفيرا لهم متحدثا باسمهم ومنافحا عنهم، وكلما نافح أكثر كلما تقدم في سلّم القصور أكثر.
حال طرابلس من حال دولتها، يأخذ بها أصحابها الى حيث يريدون هم ولا تريد الناس، وهؤلاء اقتنعوا ان لا حول لهم ولا قوة، بعد أن ارتضوا مجبرين او طائعين ان وجيههم يجب ان يكون على صورة من هم فوق، فيوهمهم بأنه الأحق والأجدر لأنه الأقدر على التواصل مع أهل الحل والربط، فييسر أمورهم يوما، وينقذهم من ظلم الدولة أياما، ثم في نهاية المطاف يجد أن خلاصه الشخصي في التجارة بهم وبيعهم في سوق السياسة، حيث البيع رائج والربح وفير.
حال طرابلس من حال دولتها، يترقب “الأوادم”، “طلاب المؤسسات”، مصيرهم بصمت مطبق، وان تجرأوا على الكلام، فوسائل التواصل ميدان ملائم لفشة الخلق، والتجارب أثبتت ان فشة الخلق لا تحدث تغييرا ولا توجد مسارا آخرا، ولا تؤسس الا للسراب.
حال طرابلس من حال دولتها، ترقب وانتظار، مشاهدة فيلم سينمائي لا يملك فيه الجمهور حتى حق التصفيق، لانه يشاهد مقتلته بشتى أنواع الأسلحة الحديثة، ويمارس فعل النكران، لكنه يقر بالوقت عينه، ان القاتل يمارس السياحة رغم ان الأصابع تشار اليه، والأعين لا تخطأه، ورغم ان المقتول معروفة كامل هويته…لكن ليس باليد حيلة.
والحيلة ان نعي اننا موجودين، وان قيمتنا الذاتية والبشرية نحن من يحدد مدارها وقوتها وفعاليتها وحدودها، بحيث لا نسمح بتجاوزها والقفز فوق سورها، لكننا نحتاج الى ادراك ذلك وتفعيله، بدل اتيان الفعل نفسه كل يوم وانتظار نتائج مختلفة.
حال طرابلس من حال دولتها، اهل السياسة فيها في عجز مطبق، يغطونه بكلام منمق فيه من مجافاة الحقيقة ما فيه، ويبدو اننا نهوى التصفيق لكل كاذب عاجز، لاننا لا ننظر الى ما يقوله وما يفعله انما لما يمنحنا اياه من كيسنا، فنعلي شأن من لا شأن له، ونجعل أهل الشأن الحق في أسفل سافلين….
فلا تنتظروا طويلا نتائج مغايرة لواقع نسهم من حيث ندري او لا ندري بجعله نظاما مجتمعيا متينا، الخروج منه وعنه خروج من دائرة الطاعة الى مشقة الرفض والعصيان.
وما أجمل الرفض وما ألحن العصيان عندما يكون انتصارا للنفس لا عليها.
فهل من معتبر؟ هل من متدبر؟ هل من متعظ؟
هنك الكثير طبعا، لكن أين دورهم وماذا يفعلون؟



