
لبنان عربي – خاص
حتى الساعة، لا يزال مصير قائد كتاب عز الدين القسام محمد الضيف مجهولاً، بعد المجزرة التي نفذتها آلة القتل الإسرائيلية في منطقة المواصي قرب رفح، على طريقة الأرض المحروقة، وأدت الى استشهاد أكثر من 90 فلسطينياً، وجرح أكثر من 300 ضربة واحدة، بهدف التخلص من الضيف، الذي كان يشكل بحق كابوساً بالنسبة لدولة الاحتلال والفصل العنصري.
مهما كان مصير الضيف، سواء استشهد أم بقي حياً، فإن ذلك لن يغير من حقيقة أنه كان ضيفاً ثقيلاً على دولة الاحتلال قض مضاجع جنرالات الدم بعدما راوغهم لأكثر من عقدين من الزمن، دون أن ينجحوا ليس في قتله، بل حتى في الحصول على صورة له.
تخيلوا أن هذا الرجل الذي ولد وشبّ في أحد مخيمات البؤس والحرمان، وحفر في الصخر، وحارب الفقر بعمله في مهن منوعة للمساعدة في إعالة عائلته، ثم عاد ونجح في الحصول على شهادة الفلسفة الإسلامية من الجامعة، تخيلوا أنه راوغ أعتى آلة قتل وإرهاب في العالم، وما يزال، منذ 9 أشهر، وأين؟ في بضعة كيلومترات مطوقة بعدة أطواق من الجند وأحدث تكنولوجيا الملاحقة والقتل والذكاء الاصطناعي.
لقب بـ”الضيف” لأنه لا يبيت في نفس مكان لأكثر من ليلة واحدة، لكنه استحق هذا اللقب بجدارة. هو الضيف الذي حل في ربوع هذه الأمة المثقلة بالوهن، وأعاد تذكيرها بأمجادها القديمة ورجالاتها الكبار وعقولها المبدعة. قصة هذا الرجل وما فعله منذ ريعان شبابه حتى يومنا هذا هي ملحمة تاريخية، تستحق أن يرويها كل منا لأطفاله عوض القصص التي أسقطت علينا من الغرب لتزييف وعينا.
إن استشهد فقد صار ضيف الله، وسيبقى ما فعله ضيفاً على عقول قادة دولة الاحتلال ومراكز أبحاثها، وجرحاً غائراً في هيبة كشف لنا الضيف مدى وهنها بعقل جبار أبدع في التخطيط وفي الإحاطة بتفاصيل التفاصيل، فكافأه القدر بطوفان الأقصى كعملية عسكرية دخلت التاريخ من أوسع أبوابه.
وإن بقي حياً، وإن استشهد، فسيبقى ضيفاً على أحاديث عشرات الآلاف في جلساتهم يذكرهم بأن لا شيء مستحيل، والنجاح هو حليف العقل المؤمن بقضاء الله وقدره، وبقدرته اللامحدودة على الإبداع من خروم الإبر.
مهما كان مصيره فإن الحقيقة التي يدركها الجميع بأن أمثال الضيف لا يموتون، بل يبقى ذكرهم حياً. ولن تعجز فلسطين التي أنجنب الضيف، وعشرات من قبله، عن تقديم ضيوف آخرين ينتظرون دورهم، وما بدلوا تبديلاً.
لم تنهزم القضية الفلسطينية باستشهاد أبو حسن سلامة، وأبو جهاد، وغسان كنفاني، وغيرهم الكثير وصولاً الى القائد التاريخي أبو عمار، كما لم تنهزم حماس باستشهاد الشيخ أحمد ياسين ولا عبد العزيز الرنتيسي وثلة من القيادات، ولن تنهزم اليوم لا هي ولا القضية الفلسطينية، مهما فعلوا وقتلوا.
أكثر من قرن وفلسطين تقدم الشهداء الكبار واحداً تلو الآخر، وما نجحت دولة الاحتلال، ولا كل داعميها من قوى دولية كبرى ومؤثرة في وأد القضية الفلسطينية ومحوها من عقل أبناء الأمتين العربية والإسلامية، فكيف لها أن تنجح اليوم بعدما مرغ الضيف الأرض بالجيش الذي لا يقهر؟



