
لبنان عربي – مصطفى العويك
الحملة على الجيش اللبناني ليست وليدة اليوم، وانما مرت بمسار تصاعدي متخذة اشكالا مختلفة، ومنطلقة من دوافع متعددة.
منها ما هو مرتبط بحسابات سياسية داخلية لأشخاص طامعين برئاسة الجمهورية وأحزاب متمحورة في فيلق يرفع شعار العداء لأمريكا، ويسعى للتفاوض معها ونيل رضاها.
ومنها ما هو استراتيجي يندرج ضمن مخطط بعيد الأمد يهدف الى تظهير عجز الجيش عن التعامل مع الأخطار الاسرائيلية وعدم قدرته على التصدي للعدوان، في ظل وجود 1701 من عدمه، لتبقى ورقة مواجهة العدو بأيديهم.
وهذه الحملة المكثفة التي تتخذ حتى الآن طابعا اعلاميا، هدفها الأساسي قطع طريق بعبدا رئاسيا على العماد جوزيف عون، وذلك من خلال التصويب عليه بالشخصي اولا، ومن ثم الايحاء بأنه من حيث يدري او لا يدري يسعى لأن يكون “العماد ابراهيم طنوس رقم 2”.
في اشارة الى ما جرى في عهد الأخير من انقسامات في الجيش في الثمانينيات تلبية لدعوة “حركة أمل” آنذاك بوجوب ترك الضباط الشيعة الجيش والالتحاق باللواء السادس الذي كان ينتشر يومها في “بيروت الغربية” وكان أغلب ضباطه من المسلمين، وذلك رفضا لسياسات طنوس التي لم تُعجب أصحاب الميلشيات ومن يدور في فلكها.
وان كان التصويب على القائد وانتقاده جائزا لأسباب سياسية بحتة، مع مراعاة توقيت ذلك طبعا، الا أنه من الكفر الوطني بمكان، التصويب عليه بشخصه وبما يمثل لأنه “ينسق مع الاميركي” انطلاقا من مسؤولياته الوطنية، ولا يرفع من منسوب التنسيق مع ما يسمى المقاومة في لبنان، الى الدرجة التي تريدها هي.
فيصبح عند ذاك، عاجز وليس لديه القدرة والعديد والعتاد ومشتت في الداخل، ويعيد تموضعه في جنوب الليطاني خوفا من الاسرائيلي، وتكال بحقه كل التهم التي لا تليق بجيش وطني سجّل انجازات عسكرية وأمنية في مختلف الأصعدة، من الحرب على التكفيريين الى كشف شبكات التجسس اليهودية، مرورا بتعامله كجوهرجي متمرس في الداخل حيث كان يقيس الخلافات بين الأحزب والأطراف الداخلية بميزان الذهب الوطني حرصا منه على طمس الفتنة الطائفية التي ان عادت لتظهر لن تبقي احدا.
تناسى هؤلاء عن قصد، ان الجيش اللبناني تحت قيادة العماد عون، مر بكثير من الصعوبات والتحديات، من تداعيات النزوح السوري والتطرف المرسل الى لبنان، الى الوضع الاقتصادي المدمر وتدني قيمة رواتب العسكريين بعد انهيار العملة الوطنية.
وما رافق ذلك من أزمات سياسية واقتصادية كادت ان تودي بالبلاد والعباد، وجرائم القتل والهروب في البحر ومراقبة الحدود.
كل ذلك تطلب من الجيش جهودا استثنائية في ظروف كارثية تحيط بضباطه وعناصره من كل حدب وصوب، ورغم ذلك بقي الجيش صامداً قوياً، يؤدي مهامه على أكمل وجه دون تذمر او تلكؤ او تذرع بنقص في العديد من هنا او بتقليص للموازنة من هناك.
والاهم من ذلك كله ان قائده حفظ كرامة جيشه يوم اعلن صراحة انه مستعد لمخالفة القانون ليبقي الجيش على قدميه وليبقى العسكري اللبناني مرفوع الرأس، وهو ما لا يريده البعض على ما يبدو من الذين يتغنون دائما بالكرامة والمجد والامجاد، بل يريدون جيشا على قياس اهدافهم السياسية.
ومع دخول وقف اطلاق النار أيامه العشر الأولى ستجري مياه كثيرة في نهر الجيش، تطال دوره “الجديد”، كما يروج له هؤلاء، وهذا الدور هو “استكمال تنفيذ ما عجزت عنه اسرائيل، اي تفكيك بنية حزب الله العسكرية ونزع سلاحه”.
وأن “دور الجيش سيكون مقتصراً على تسجيل الخروقات ونقلها على شكل شكاوى إلى اللجنة المشرفة على تنفيذ الاتفاق، بينما يخضع بصورة يومية لاختبار أميركي – إسرائيلي – أوروبي لقياس التزامه بتنفيذ الاتفاق عبر نزع سلاح حزب الله بالقوة”.
محذرين من “جو عسكري” داخل المؤسسة قوامه ضباط شيعة وغير شيعة، ينبهون من خطورة الدخول بمواجهة عسكرية مع حزب الله!
هؤلاء وضعوا الجيش تحت الاختبار الأميركي – الاسرائيلي، ونسوا أيضا انهم هم في الداخل يجرون للجيش في اليوم الواحد ألف اختبار في جهوزيته ووطنيته وقدراته العسكرية وغير العسكرية، وكل هذا لأنهم لا يريدون قائده رئيسا للجمهورية، ولأجل ذلك هم على استعداد للتضحية بالجيش وتاريخه وبالتالي بالوطن كله حتى لا يصل جوزيف عون الى بعبدا…فما الفرق بينهم وبين من جعلوا الجيش تحت اختبارهم؟
وسيكون رد الجيش كما كان دائما، نحن في الميدان لأجل لبنان، وكما قدمنا 50 شهيدا في الحرب الأخيرة زودا عن الوطن وأهله، سنقدم المزيد وسيبقى الجيش كما دولته واحدا موحدا وستتكسر على صخور الشرعية اللبنانية مشاريع الدويلات والتقسيم والميلشيات وطموحات العدو اولاً واخيراً.
ولهم جميعاً ان يتزكروا عبارة الرئيس نبيه بري الشهيرة: “جيشك على حق دائماً حتى ولو أخطأ”.



