الرئيسيةثقافةرأي

عندما تعانق يد الحسين يد عمر بن الخطاب

لبنان عربي – وحيد حمود

في الشّارع غرباء، ليسوا من حيّنا، عرفتهم من نظراتهم، يتفحّصون المكان برمّته فلا يثبت بصرهم على شيء، أشعر بهم، يتنقّلون بشحوبهم فوق الرّصيف، يبتسمون في وجوه العابرين، في وجوه الجميع، يبتسمون وعلى محيّاهُم وجعٌ ما، جرحٌ نازفٌ أشعر به، أستطيع أن أشعر به، إنّهم لا يعرفون المكان، لا يعرفون أهل المكان، أرى ارتجافة أيديهم وانقباضة قلوبهم، أشعر بهذا الحزن المحمول على أكتافهم.

مجزرةٌ إثر مجزرة، في جسد الوطن بقٌّ أرعن، يمتصّ الدّماء أنّى وجدها، يقتات من صراخ الثّكالى، وأنين المستضعفين، يرعب الصّغار في فراشهم ويلوي يد الكبار ليصرخوا، لكنّهم يبصقون في وجهه، تدوسه نعالهم جنوبًا وشمالا، هذا الذي لا يميّز بين لونٍ أو مذهب لا يفهم سوى لغة الدّماء.

لقد تكاثر في منازل النّاس، فتركوها أمانةً بيد الله وعاهدوها بعهد الله أنّهم عائدون، لكنّني رأيتهم، كانوا حزانى جدًّا، خائفين جدًّا، رأيت بيروت تبكي في أعينهم، رأيت مارون الرّاس محفورةً فوق جبينهم، شاهدت أحجار بعلبك في عظام معاصمهم، تنبّهت للبقاع السّاكن في أحداقهم، شَمَمت عطر مرجعيون الأبيّ على أجسادهم، لمست الجنوب في أحاديثهم.

لكنّهم حزانى، ما زالوا حزانى، يسيرون في الطّرقات كالغرباء، يتطلّعون يمينًا وشمالا، عانقت أوجاعهم وبكيت، ربّتت يدي على قلوبهم، أخبرتهم أنّ الأرض واحدة والوطن واحد، نبّأتهم أنّ الجرح واحد فإن بكى الجنوب تشردق بالدّمع الشّمال، حاول البقُّ إيهامهم بأنّ لبنان مقسومٌ بين الحُسين وعُمر والمسيح، ولم يُدرك هذا الخبيث أنّ يد الحُسين الممدودة التقطتها يد عمر، وأنّ المسيح عانق اليدان، لم يُدرك أنّ يد الله فوق أيدي الجميع، تباركهم، تمسح الحزن عن وجوههم.

تقول لهم الأرض: يا أهلي ويا أولادي، باقيةٌ أنا لكم، باقيةٌ لأجلكم، لأجل كلّ طفلٍ بكى، لأجل كلّ شهيدٍ سقط، لأجل هؤلاء المهجّرين، أنا لكم، صدري يئنّ لفراقكم، ينتظركم، هذا البقُّ الملعون لا أرض له، هذا البقُّ الحقير راحل، سيحترق بنار عنجهيّته وسيكتب التّاريخ زواله.

كانوا يسيرون في الطّريق، عرفتهم من وجوههم المتعبة، عانقتهم، حضنتهم، جلسنا جميعنا في أرضنا الواحدة، شَددنا أيادينا بعضها ببعض، رفعنا رأسنا نحو السّماء، هتفنا بصوتٍ واحد: نحن أصحاب الأرض، نحن أصحاب الحقّ، سيزول ليل البقّ وتطلع صباحات النّصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى