
لبنان عربي – مصطفى العويك
حدثت المتغيرات التي لم يتوقعها أحد، حزب الله فقد كل قيادات الصف الأول وفقد قدرته على التسلط والتأثير، بشار الأسد هرب وأخذ معه قدرة طهران على ايصال السلاح الى الجنوب والبقاع والضاحية، المرشد الأعلى هو الثالث استيقظ على عجل، فوقعت يده على تحرر العواصم العربية، التي تفاخر باحتلالها، من قبضته.
لم تنتظر المملكة العربية السعودية طويلاً لتغوص في غمار هذه المتغيرات التاريخية، فتستوعبها وتضبطها وتحاول توجيهها نحو المسارات التي تضمن استقرار الدول وطمأنة شعوبها.
بداية الأمر كانت من سوريا، حيث زارها وفد سعودي مستكشفاً خلفيات السيد احمد الشرع وتطلعاته، فوجده في كامل وعيه السياسي والاستراتيجي، متيقناً ان اي مستقبل لسوريا لا يمكن ان تكتب فصوله اذا لم تسند مهمة التشاور فيه الى المملكة، تشاور يضمن الغد السوري اقتصادياً وتنموياً، وهو ما تحتاجه سوريا لتعود الى سابق عهدها كدولة عربية فاعلة وحيوية في المنظومة العربية والدولية.
سوريا اولوية
بعدها، حطّ وزير الخارجية السوري اسعد الشيباني في الرياض، حيث استقبل استقبالاً يتماهى مع مكانة المملكة وكرمها واكرامها لضيوفها، ومع مكانة سوريا الجديدة لديها، مظهرة مدى حرصها على ان تعود بلاد الشام الى دينميتها السياسية والديبلوماسية، وكان من مخرجات الزيارة: تعهد المملكة بالوقوف الى جانب سوريا الجديدة قيادة وشعباً بما يضمن نجاح عملية التغيير الحاصلة، وعلم ان الرياض ستتعهد بتجهيز الجيش السوري ومده بما يلزمه من تدريب وعتاد وما شاكله.
وخصصت بعدها المملكة اجتماعاً عربياً ودولياً، لبحث التطورات السورية ووضع الآليات اللازمة لمساعدة الشعب السوري، ودعت منذ يومين سوريا لحضور اجتماع مجلس التعاون الخليجي المزمع عقده في الرياض في الأيام المقبلة.
عودة لبنان الى الحضن العربي
وتبلورت المتغيرات الشرق أوسطية هذه، في وعلى الداخل اللبناني، وعيّن الأمير يزيد بن فرحان مسؤولاً عن الملف اللبناني، فقالت المملكة كلمتها في الاستحقاق الرئاسي: لرئيس لبناني سيادي يتعهد بالاصلاحات، يجمع اللبنانييون عليه ويضمن تنفيذ القرارات الدولية وفي مقدمتها القرار الاممي1701، فكان قائد الجيش جوزاف عون الذي خبرته السعودية جيداً، وعلمت جديته ورصانته ومصداقيته، رئيساً للجمهورية التي ينتظر الشعب اللبناني بكل أطيافه ان تعود من بوابة احتكار السلاح ومحاربة الفساد والبدء بالاصلاحات المنتظرة.
ولأول مرة منذ 15 عاماً زار وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان لبنان، والتقى عون في بعبدا، وكان ذلك اعلاناً سعودياً مباشراً عن عودة العرب الى لبنان، وعودة لبنان الى حضنه العربي الذي أضاعه في السنوات الماضية تحت تأثير سطوة ونفوذ حزب الله الايراني.
اوروبا الجديدة
ومن لبنان توجه فرحان الى دمشق، في دلالة اضافية على قراءة قيادتها لضرورة اطلاق دينيمة جديدة في العواصم التي هُزمت بها ايران، وتأكيد منها على ان المنطقة تتحضر لدخول عصر جديد خال من الخراب الايراني والقلاقل المذهبية والحشود الشعبية، منطقة متماهية مع رؤية الأمير محمد بن سلمان 2030، والتي أكد خلالها ان “اوروبا الجديدة هي الشرق الأوسط”.
وبدا في تواصل الأمير محمد بن سلمان، الخميس، مع الرئيس دونالد ترامب على هامش الحديث عن الاستثمارات السعودية المقبلة في الولايات المتحدة، أنّ الرياض تبلغ واشنطن بشكل نهائي أنّ مشهداً جديداً بزغ في الشرق الأوسط تمسك المملكة مفاتيحه الاستراتيجية. فسواء تعلّق الأمر بالمسألة الفلسطينية أو السورية أو اللبنانية أو تلك المتعلّقة بالسلم والأمن والازدهار في “أوروبا الجديدة”، سيكون للورشة عنوان واحد في “الرياض”.



